سر النجاح















سر النجاح



نزار محمد عثمان



4- إدارة الوقت والأحجار الكبيرة!



إذا أحكم الإنسان قيادة ذاته، وأجاد الإجابة على أسئلة: من أنا؟ وما هو المهم في حياتي؟ بعدها يأتي دور الإدارة: كيف يدير شؤون حياته بما يتوافق مع إجاباته السابقة؟ الإدارة الجيدة لا تفيد إذا كان المرء في الطريق الخطأ.. الإدارة تتعلق بتفكيك الكليات إلى أقسام، بتحليلها إلى جزئيات، بالتسلسل المرحلي والتحديد الزمني، وكل ذلك يحتاج ـ بالإضافة إلى الشعور بالذات، والخيال المبدع، والضمير الحي ـ إلى الإرادة المستقلة التي تجعل الإدارة الفعّالة ممكنة. إن اتخاذ القرارات، وتحديد الاختيارات، والتصرف وفق ذلك، والتحرر من العادات السيئة والتقاليد الخاطئة، يحتاج إلى الإرادة المستقلة؛ لنفي بالعهد الذي قطعناه بأن نحيا وفق المبادئ لننعم بالمصداقية مع النفس والآخرين.


وقتُنا..فيمَ يُنفق؟


أورد صاحب دليل التدريب القيادي [كتاب للمؤلف هشام الطالب، طبعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ص 196] الجدول التالي، و الذي يبين الوقت الذي تأخذه بعض النشاطات ـ التي لا نلقي لها بالاً ـ في فترة حياة متوسطة:











النشاط


الوقت


ربط الأحذية
انتظار إشارات المرور
الوقت الذي تقضيه في محل الحلاقة
ضغط أرقام الهاتف
ركوب المصعد في المدن الكبرى
تنظيف الأسنان بالفرشاة
انتظار الحافلات (في المدن)
الوقت الذي تقضيه في الحمام
قراءة الكتب
تناول الطعام
كسب الرزق
مشاهدة التلفزيون
النوم


8 أيام
شهر واحد
شهر واحد
شهر واحد
3
شهور
3
شهور
5
شهور
6
شهور
سنتان
4
سنوات
9
سنوات
10
سنوات
20
سنة


الجدول السابق يبين أننا إذا أردنا أن ننجز عملاً فينبغي أن نوجد له وقتاً ولا ننتظر حتى يعرض الوقت المناسب علينا نفسه لأن ذلك لن يحدث.


أذكر أن أحد أساتذتي ـ من الدعاة العاملين في جماعة التبليغ ومن العلماء المعدودين في مجال الكيمياء الإشعاعية ـ كان يخرج كل عام نحواً من أربعة أشهر للدعوة والبلاغ، وكان أكثر الأساتذة إنتاجا علمياً إذ نُشر له خمسة وأربعون بحثاً تخصصياً في الدوريات العلمية العالمية، أذكر أنه سألني يوماً: هل خرجت في سبيل الله؟ قلت له: لا، لم أخرج. قال لي: وما يمنعك؟ قلت له: ظروف الغربة ومسؤولية الأهل والأولاد لا تجعلني أجد الوقت المناسب لذلك. صمت برهة وقال لي: خذ العبرة من النجار، ألا تراه يضع المسمار في المكان الذي يريده هو، ثم يضرب عليه فيشق المسمار طريقه، أرأيت لو كان النجار يبحث عن المكان الفارغ ليضع فيه المسمار أكان يمكنه أن ينجز شيئاً، افعل كما يفعل النجار، ضع الخطة، واطرق عليها بعزمك تجد الوقت المناسب، وإلا سيطول انتظارك.


إدارة الوقت والأجيال الأربعة:


ذكر د. ستيفن ر. كوفي أن إدارة الوقت جزء أساسي من الإدارة، وقال ما يمكن تلخيصه في الآتي: "إذا رفعنا شعار "نظِّم ونفِّذ حول الأولويات"، فهذا الشعار قد أفرز أربعة أجيال لإدارة الوقت.


الجيل الأول: اهتم بالمذكرات وقوائم المهام لتنظيم الوقت.


الجيل الثاني: اهتم بالمفكرات وكتب المهام والمقابلات والمواعيد.


الجيل الثالث: اهتم بالأولويات والأهداف القريبة والبعيدة والتنظيم اليومي للنشاطات.


الجيل الرابع: أدرك أن تنظيم الوقت تسمية خاطئة، والصواب هو تنظيم النفس وإدارتها، فبدلاً من التركيز على الوقت والأشياء اهتم الجيل الرابع بالتركيز على ما يبني الشخصية وينمي العلاقات ويحقق النتائج ويحفظ التوازن .


الربع الثاني :


إسهام الجيل الرابع [راجع كتاب The Seven Habits of Highly effective People ،ص 149ـ 155] يمكن إدراكه بالنظر إلى الجدول المبين:











الأحجار الكبيرة



كل النشاطات يمكن تصنيفها من حيث الأهمية والعجلة.. مثلاً جرس التلفون الذي يرن أمرٌ عاجل، وقد يكون مهماً أو لا، الأمور العاجلة عادة ظاهرة وواضحة تضغط علينا وتطلب منا حركة عاجلة، وغالباً ما تكون الأمور العاجلة مستحسنة سهلة ومسلية، وغالباً ما تكون غير مهمة، الأمور المهمة هي التي تسهم في توصيلنا إلى غاياتنا وأهدافنا. نحن ـ عادة ـ نستجيب بسرعة للأمور العاجلة (وكان الإنسان عجولاً)؛ لذلك الأمور المهمة غير العاجلة تحتاج إلى مبادرة ووضوح رؤية، وهذه تنبع من معرفة ما هو المهم في حياتنا.


بالنظر إلى الجدول مرة أخرى يتضح الآتي:


الربع الأول (ربع الطارئ القرّاع) المهم العاجل: الكوارث والمشاكل..تركيزنا على هذا الربع يحتوينا ويسيطر علينا ويحرمنا من الحياة الفعالة، وكثيراً ما يلجأ أصحاب المشاكل والكوارث إلى الربع الرابع، إلى الأمور غير المهمة وغير العاجلة؛ للترويح عن أنفسهم وتكون النتيجة: الضغط العصبي، إدارة الكوارث وإطفاء النيران دائماً.


الربع الثالث (ربع المظهر الخدّاع) غير المهم العاجل: الكثيرون يضيعون الكثير من الوقت في الربع الثالث (غير المهم العاجل)؛ ظنّاً منهم أنهم في الربع الثاني (المهم غير العاجل)؛ فتكون النتيجة: النظرة الضيقة، مواجهة الأزمات، الشخصية المهتمة بالمظاهر، غياب الأهداف والتخطيط، الشعور بعدم القدرة على السيطرة على الأمور وأن الشخص ضحية، علاقات ضحلة أو محطمة.


الربع الرابع (ربع التيه والضياع) غير المهم غير العاجل: الأشخاص الذين يعيشون في نشاطات الربع الرابع تكون النتائج عندهم: عدم المسؤولية، فقدان الوظيفة، الاتكال على الغير للحصول على أساسيات الحياة.


الأشخاص المؤثِّرون يبتعدون تماماً عن الربع الثالث والرابع، ويضيِّقون الربع الأول لأقصى ما يمكن، ويبذلون الوقت والجهد في الربع الثاني، الذي يُعَدُّ قلب الشخصية الفعالة، لأنه يتعلق بأساسيات الفعالية كبناء العلاقات التخطيط بعيد المدى، الوقاية، الرياضة الإعداد.


الطريق الوحيد لتوفير الوقت لنشاطات الربع الثاني هو أن نأخذ له الوقت من نشاطات الربع الثالث والرابع.. أن نقول: ((نعم)) للأشياء المهمة و((لا)) للأشياء غير المهمة.


يجب أن لا نتحرج من أن نقول: ((لا))؛ فنحن نقولها على كل حال إن لم يكن للأمور غير المهمة فمعنى ذلك أننا نقولها للأمور المهمة، ولكن يجب أن نراعي أن نقولها بطريقة مهذبة لا نفقد بها العلاقة مع الآخرين، إذ إن تنمية العلاقات وتوطيدها من أنشطة الربع الثاني، والاهتمام بالربع الثاني لا يأتي إلا من شخصية متمركزة حول المبادئ؛ لأن المراكز الأخرى الزوجة، العائلة، المصلحة، ...الخ, تجعلك تهتم بالربع الأول والثالث.


التحرك إلى الربع الثاني:


أكثر الناس يديرون بطريقة الجيل الأول: المذكرات وقوائم الأشياء التي يجب إنجازها، دون مراعاة الأولويات، ولا الصلة بين ما ننجز وأهدافنا وغاياتنا، وهذا يعطي مظهراً منظّماً ومرتّباً مبادراً، لكنه في الحقيقة غير فعّال لأنه لا يعرف الأولويات والغايات، كذلك الجيل الثاني مع اهتمامه بالتنظيم أغفل الأولويات وربط النشاطات بالغايات، الجيل الثالث أدرك أهمية الأولويات والتخطيط على أساسها فأخذ يخطط كل يوم حول الأولويات، لكن مشكلة التخطيط اليومي تجعل الإنسان ينجرف نحو العاجل على حساب المهم، كذلك لم يربط الجيل الثالث الأولويات بالمبادئ ورسالتنا في الحياة، وببساطة رتّب الجيل الثالث الأولويات في الربع الأول والثالث، ولم يهتم بالربع الثاني. كيف ذلك؟ الجيل الثالث أهتم بالأولويات في العاجلة، والتي قد تكون في مجملها استجابة لحاجات الآخرين وليست حاجاتنا، وبالتالي تكون بعيدة عن رسالتنا في الحياة، مثلاً: إذا كان برنامجي ليوم من الأيام يحوي الأنشطة التالية: "حضور عقد قران قريب أو صديق، شراء الاحتياجات اليومية للأسرة، إحضار السباك لمراجعة توصيلات المياه في البيت، مشاهدة مباراة في كرة القدم أو مسلسل تلفزيوني، تسديد فاتورة الكهرباء أو التلفون"، يمكنني أن أرتب الأنشطة حسب الأهمية، وأشعر بالرضا النفسي لأنني نظمت أموري وتحركت وأنجزت المهام المطلوبة، وتستمر الأيام بهذه الطريقة، استجابة للعاجل على حساب المهم، وراحة نفسية لمظهر خداع يوحي بالنظام.


إداريو الربع الرابع لا يقرون هذه الشكلية، ويرون أن الأنشطة سابقة الذكر كلها ليست مما يبني الشخصية ويزيد الفعالية، ويرون أن المرء يجب أن يعرف ما هو المهم في حياته أولاً (التخطيط حول المهم)، ثم يوجد لهذه الأمور المهمة مكاناً في جدوله ثانياً.


الحجارة الكبيرة أولاً:


حول هذه النقطة المهمة ذكر أحد مؤلفي كتاب إدارة الأولويات الأهم أولاً [راجع مجلة حصاد الفكر، العدد 102 جمادى الأولى 1421هـ، نقلاً عن كتاب (إدارة الأولويات..الأهم أولاً) لـ ستيفن ر. كوفي، أ. روجر ميريل، ربيكا ميريل، ترجمة: د. السيد المتولي حسن، عرض أشرف الشامي، الناشر مكتبة جرير الطبعة الأولى: 1999م ، كذلك راجع صناعة النجاح، لـ د. طارق السويدان وفيصل عمر باشرحيل ص 115] التجربة التالية:


"حضرت ذات مرة حلقة دراسية كان المتحدث فيها يتكلم عن الوقت وكيفية الإفادة منه، خلال المحاضرة قال ما يلي: "حسناً حان الوقت لعمل مسابقة"، وهنا سحب من أسفل الطاولة ـ التي يجلس عليها ـ إناء سعة جالون له فتحة كبيرة، ووضع هذا الإناء على الطاولة جوار وعاء به بعض الأحجار كل منها في حجم قبضة اليد، ثم توجه إلينا بالسؤال كم من هذه الأحجار يمكن إدخاله في الإناء؟ رددنا: فلنحاول معرفة ذلك، وبعدها بدأنا بإدخال الأحجار حتى وصلت إلى فتحة الإناء، هنا سألنا: هل امتلأ الإناء؟ وكان ردنا جميعاً وبصوت واحد: "نعم"، قال حسناً ومد يده وسحب من أسفل الطاولة دلواً مملوءاً بالحصى الصغيرة، ووضع بعضها في فتحة الإناء فدخلت الحصى بسهولة في الفراغ الذي تركته الأحجار الكبيرة ثم قام بهز الإناء عدة مرات وسألنا؟ هل امتلأ الإناء ؟ عند هذا الحد تملكتنا الحيرة ورددنا: "ربما لا" فرد قائلاً: "حسناً"، ثم مد يده إلى أسفل الطاولة، وسحب دلواً مليئاً بالرمال وأفرغ كل الرمال في الإناء فاختفت تماماً في تلك الفراغات التي تركتها الأحجار والحصى الصغيرة، وعندها سألنا هل امتلأ الإناء؟ فرد الجميع بصوت عالٍ : "لا"، وعندها قال: "حسناً"، ثم سحب من أسفل الطاولة إناء مملوءاً بالماء، وبدأ يسكب بعضه في الإناء ثم قال لنا: "ما الهدف من كل ذلك؟" رد أحدنا قائلاً: " هناك دائماً فراغ ما في حياتنا ولو حاولنا الاستفادة منه لفعلنا، وهنا رد قائلاً :"لا، ليس هذا مقصود الدرس، الدرس هو أنه لو أننا لم نضع الأحجار الكبيرة أولاً ما كان بوسعنا إدخالها أبداً".


يقول الإمام ابن القيم مبيناً سعي الشيطان في إضاعة وقت المسلم في الأمور الصغيرة دون الكبيرة: "العقبة السادسة ـ التي يقف فيها الشيطان للمسلم ـ هي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسَّنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسباً وربحاً، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحبِّ إليه، وبالمرضي عن الأرضى له، ولكن أين أصحاب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالم، والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول" [تهذيب مدارج السالكين للإمام ابن القيم، عبد المنعم صالح العلي، ص 143] ويقول كذلك: "فإن في الأعمال والأقوال سيداً ومسوداً ورئيساً ومرؤوساً، وذروة وما دونها، كما في الحديث الصحيح: (سيد الأستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت .. الحديث) ، وفي الحديث الآخر: (الجهاد ذروة سنام الأمر)، ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من أولي العلم، السائرين على جادة التوفيق، قد أنزلوا الأعمال منازلها، وأعطوا كل ذي حقٍّ حقه" [المرجع السابق ص 144].


أدوات الربع الثاني :


يرى د. كوفي أن المنظم حول الربع الثاني يحتاج إلى ستة أدوات أساسية هي:


[1] الانسجام بين الرؤية للأمور ورسالتنا في الحياة، بين الأدوار والأهداف، بين الأولويات و(الخطط)، لذلك يجب أن يكون في المفكرة مكان لرسالتنا في الحياة ولأدوارنا وأهدافنا.


[2] التوازن: أن نعرف جميع أدوارنا في الحياة ولا نهمل دوراً ولا جانباً مهماً (الصحة، الأسرة، تنمية القدرات.. الخ ..)، إذ أن النجاح في مجال لا يعوض الفشل في آخر.


[3] التركيز على المهم غير العاجل: وهذه تأتي بالتخطيط الأسبوعي وليس باليومي إذ أنها تعطي توازناً أكثر.


[4] ليس المهم أن نرتب الأولويات التي في برنامجنا، المهم هو أن نبرمج أولوياتنا: وذلك بوضع الأحجار الكبيرة أولاً، وتجنب خطأ إداريي الربع الثالث.


[5] البعد الإنساني: أن نضع في الحسبان أننا نتعامل مع بشر وليس مع جداول أو برامج وأن نضع مساحة لمقاطعات الآخرين وأن نقدمها أحياناً على برنامجنا.


[6] المرونة: وذلك بجعل التخطيط أو البرمجة خادماً لنا ولا نجعل أنفسنا خدماً لها؛ لذلك يجب أن نفصل برنامجنا وفق ما يناسبنا حسب الأولويات والأهداف، ولا نجعله جافاً مخالفاً لنا مقلقاً لراحتنا.


[7] سهولة النقل والحركة: يجب أن تكون المفكرة (مكان كتابة برنامجنا) مما يَسْهُل حمله والحركة به حتى نراجعه في المواصلات مثلاً أو مكان العمل وحتى تكون المعلومات المهمة معنا دائماً.


خاتمة:


معرفتنا لما يهم في شتى أدوار حياتنا، ثم وضعنا لهذه الأمور المهمة في برنامجنا، وفق أهداف قريبة، مفتاحٌ للفعالية والتغيير في أنفسنا وفي مجتمعاتنا.


أشحذ الشفرة

أشحذ الشفرة

نزار محمد عثمان


10- أشحذ الشفرة


تخيل أنك تمر بغابة وأن هناك شخصاً يعمل جاهداً لقطع شجرة ، تخيل أنه دار الحوار التالي :
- ماذا تفعل؟
- ألا ترى أنني أقطع هذه الشجرة
- تبدو تعباً . كم لك من الوقت وأنت تعمل
- أكثر من خمس ساعات إنها عملية شاقة جدا لقد تعبت
- لماذا لا تأخذ راحة تحد فيها من منشارك ليقطع بصورة أفضل في وقت أسرع !!!
- ليس لدي الوقت لسن المنشار إنني مشغول جداً بالقطع .
إن هذه الخصلة تعني أخذ الراحة لشحذ الشفرة أو المنشار انها تحيط بالخصال السابقة جميعاً لأنها هي الوحيدة التي تجعل الخصال الأخرى ممكنة .
الأبعاد الأربعة للتجديد :
- إن شحذ الشفرة يزيد من المقدرة على الانتاج ، إنه يحفظ أغلى الممتلكات عندك وينميها..ألا وهي أنت !! إنه ينمي الأبعاد الأربعة لطبيعتك : البعد الجسدي ( التمارين الرياضية و الغذاء ) الروحي : ( تلاوة القرآن ، قيام الليل، الصيام … ) والعقلي ( القراءة والكتابة والتخطيط… ) والاجتماعي العاطفي ( خدمة الآخرين ، التعاون ، التعاطف ، والتكافل… ) .
- إن شحذ الشفرة يعني الممارسة المستمرة لأنشطة الأبعاد الأربعة بصورة منتظمة ومتوازنة ولنفعل هذا يجب أن نكون مبادرين لأن شحذ الشفرة من أنشطة الربع الثاني " المهم غير العاجل " ولأنه لا يمكن لشخص آخر أن يقوم بها نيابة عنا . انها مركز دائرة تأثيرنا وأكبر استثمار يمكن أن نقوم به حياتنا .

البعد الجسدي :

- هذا البعد يهتم بالعناية ببدننا وذلك بأكل الطعام المناسب وأخذ القسط المناسب من الراحة والتمارين الرياضية المنتظمة .
- إن التمارين الرياضية من أهم أنشطة الربع الثاني " المهم غير العاجل " التي لا يقوم بها أكثرنا لأنها ليست عاجلة ونتيجة لذلك نجد أنفسنا في الربع الاول " المهم العاجل " نعالج المشاكل الصحية المترتبة على عدم الرياضة المستمر .
- أكثرنا يظن أنه لا يوجد وقت للتمارين الرياضية اننا نتحدث عن 3-6 ساعات في الاسبوع أو نصف ساعة كل يومين .. انه وقت قليل جداً مقارنة بالأثر الذي يتركه في بقية الـ 165 ساعة من الاسبوع – اننا لا نحتاج إلى أية أجهزة خاصة للرياضة .
- ان التمرين الرياضي الناجح هو الذي تستطيع أن تقوم به في بيتك والذي يبني جسمك في ثلاث مجالات :
* التحمل
* الرشاقة
* والقوة .
أولاً التحمل :
يأتي التحمل من الرياضات الهوائية التي تنشط الدورة الدموية وتزيد من مقدرة القلب على ضخ الدم الى أجزاء الجسم المختلفة رغم أن القلب عضلة لكن لا سبيل الى تمرينٍ مباشرٍ له غير أنه يمكن أن يراض عبر رياضة العضلات الكبيرة الأخرى خاصة عضلات الرجل : القدم والفخذ مثل المشي السريع ،الجري ،ركوب دراجة ،السباحة ،التزلج على الجليد ،والركض البطيء .
- يعتبر المرء في صحة جيدة على الحد الأدنى إذا كان بإمكانه أن يزيد معدل نبضات القلب الى مائة ضربة في الدقيقة … وإبقاؤه كذلك لمدة نصف ساعة على الأقل .. أما الأفضل فيجب أن يزيد معدل ضربات القلب الى 60 % من المعدل الأقصى لضرباته .. إن الحد الأقصى الذي يمكن أن يصل اليه معدل نبضات القلب هو (220 – عمرك ) اذا كان عمرك 40 عاماً مثلا .. فإن الحد الأقصى لمعدل نبضات قلبك 220 – 40 = 180 ، فيجب أن يكون هدفك هو 180* 6 /100=108 ، أي أن معدل نبضات القلب يمكن أن يزيد إلى 108 نبضة في الدقيقة إذا كنت صحيح الجسم ، إن أثر التمرين يكون عادة نحو 72% الى 83 % من المعدل الأقصى لنبضات القلب .

ثانياً :الرشاقة " المرونة " :
- و هذه تأتي عن طريق تمارين تمديد العضلات وأكثر المختصين ينصحون بالإحماء قبل بدء التمرين وينصحون بالتدرج في إنهاء التمرين " التبريد " وكذلك بمد العضلات . الإحماء يساعد في تهيئة العضلات لتحمل مجهود التمرين ، والتبريد يساعد في التخلص من حمض اللاكتيك الذي يسبب تمزق العضلات ومن ثم الشعور بالألم .

ثالثاً : القـــوة :
- تأتي من تمارين مقاومة العضلات لقوة معينة مثل تمارين الـ Push ups , Pull ups , Sit ups وكذلك من التمارين التي تصاحبها اثقال .
- مقدار ما تحتاجه من تمارين القوة يعتمد على طبيعة نشاطك ومكــانة القوة في وظيفتك و حياتك .
- فائدة تمارين القوة تكون دائماً في آخر التمرين لأن زيادة القوة لا تأتي إلا بتمزق الليف العضلي ثم تسجيل الألم بواسطة الليف العصبي ثم خلال 48 ساعة يتم تعويض الليف العضلي بآخــر أقوى منه .
- يجب ترويض أجسامنا بصورة دورية ويجب أن نكون من الحصافة بمكان لنضع برنامجا يناسبنا .. أكثر الناس عندهم الميل لوضع برنامج مكثف وشاق مما يسبب ألماً لا داعي له و جروح واصابات وأقل شيء أن تفتر عزيمتك شيئاً فشيئاً .. الأمر الذي يؤدي الى ترك التمرين .
- يجب مراجعة الطبيب قبل بدء التمرين ثم استشارته في البرنامج المقترح واذا كنت لا تمارس الرياضة من قبل فسوف تشعر بألم وتعب في البداية لكن لا بد من أن تكون مسؤولا ومبادرا وتتحمل وتواصل .. كذلك لا تترك برنامج التدريب أبداً .. حتى ولو كانت السماء تمطر .. وليكن قولك " ان هذا اليوم ممطر لكنني سأروض جسمي وكذلك عزيمتي " يجب أن تمارس الرياضة على كل حال لأنها من نشاطات النصف الثاني المهم غير العاجل .

ثانيا:البعد الذهني :
أكثر ثقافتنا ونمونا الذهني يأتي عادة من التعليم الرسمي وبعد أن نترك المدرسة أو الجامعة يتوقف النمو الذهني لدى الكثيرين فلا يقومون بأي دراسة جادة ولا يسبرون غور أي مجال حديث ولا يستكشفون أي آفاق جديدة فهم لا يحللون ولا يكتبون بل يكتفون بقضاء أوقاتهم أمام التلفاز أو في أحاديث لا تقدم وربما تؤخر.
- أظهرت دراسة حديثة أن التلفاز في أكثر البيوت يكون مفتوحاً لمدة ما بين 35-45 ساعة في الاسبوع وهذه المدة تساوي ما يقضيه المرء في وظيفته وأكثر مما يقضيه الطلاب في المدارس .
الحكمة في استخدام التلفاز تتطلب منا تجويد الخصلة الثالثة وهي ضع الأهم قبل المهم فهي تجعلك قادرا على اختيار ما تريد من المعلومات والبرامج التي تناسبك.
في أسرة د.كوفي التلفاز له سبع ساعات في الاسبوع لا غير.
- إن القراءة مهمة جداً لتنمية العقل .. والأدب الراقي مفيد لأنه ينقل القارئ الى العقول الكبيرة التي يمكن ان يستفيد منها وهذه من انشطة الربع الثاني المهم غير العاجل .
- كبداية عليك أن تضع هدفك قراءة كتاب كل شهر ثم تقلل المدة تدريجيا لتجعل هدفك كتاب كل أسبوعين ثم كتاب كل أسبوع ،و تذكر دائماً أن الشخص الذي لا يقرأ ليس أفضل ممن لا يعرف القـراءة .
- الكتابة كذلك نشاط مهم ، دوِّن خواطرك ، تجاربك ، رؤاك ، .. اهتم بمراسلاتك ارتق باسلوبك ليرتقي مستوى اتصالك بالآخرين .
- اهتم بالتخطيط والاعداد إذ أنهما من الأنشطة الذهنية المفيدة..

البعد الاجتماعي – العاطفي :

- البعد الجسدي والبعد الذهني والبعد الروحي أبعاد مرتبطة بالخصال الثلاثة الأولى : كن مسؤولا ومبادراً ، ابدأ والنهاية في ذهنك وضع الأهم قبل المهم .. بينما البعد الاجتماعي العاطفي مرتبط بالخصال الثلاثة الأخيرة فكر بطريقة أنا أكسب وأنت تكسب ، حاول أن تفهم أولاً ثم أن تُفهم ثانياً ، تكامل وتبادل للنجاح .
- ان تنمية البعد الاجتماعي والعاطفي لا يأخذ وقتا كبقية الأبعاد لأننا نمارسه في حياتنا اليومية في تفاعلنا مع الآخرين والنجاح فيه مؤكد اذا جودنا الخصال الثلاثة الأخيرة .

البعد الروحي :

- ان النجاح في البعد الروحي هو الذي يعطي لحياتك معنى .. ويؤهلك لقيادة نفسك ذلك لأنه مركزك ولب حياتك.. ومصدر القوة والطاقة التي تواجه بها ضغوط الحياة .
من أهم الأسباب الجالبة ليقظة الروح وسموها :
1. قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه فالقرآن الكريم "كتاب الله فيه نبأ من قبلكم و خبر من بعدكم وحكم مابينكم ، هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ، ونوره المبين و الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تتشعب معه الآراء و لا تشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآناً عجبا ، من علم علمه سبق ومن قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم "
وتدبر القرآن ليس بتلاوته وحفظه ، قال الحسن البصري : والله ما تدبره بحفظ حروفه و اضاعة حدوده حتى أن أحدهم يقول قرأت القرآن كله ، مايرى له القرآن في خلق ولا عمل
2. التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قال: (( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ))
إن تجويد الصلاة دأب الصالحين ، " قيل لخلف بن أيوب ألا يؤذيك الذباب في صلاتك فتطردها قال : لا أعود نفسي شيئا يفسد علي صلاتي قيل له وكيف تصبر على ذلك قال : بلغني أن الفساق يصبرون تحت أسواط السلطان ليقال فلان صبور ويفتخرون بذلك فأنا قائم بين يدي ربي أفأتحرك لذبابة ، ويروى عن مسلم بن يسار أنه كان إذا أراد الصلاة قال لأهله : تحدثوا أنتم فإني لست أسمعكم ،ويروى عنه أنه كان يصلي يوما في جامع البصرة فسقطت ناحية من المسجد فاجتمع الناس لذلك فلم يشعر به حتى انصرف من الصلاة ، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه فقيل له مالك يا أمير المؤمنين فيقول جاء وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها ، ويروى عن علي بن الحسين أنه كان إذا توضأ اصفر لونه فيقول له أهله ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء فيقول أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم ،
ويروى عن حاتم الأصم رضي الله عنه أنه سئل عن صلاته فقال إذا حانت الصلاة أسبغت الوضوء وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي ثم أقوم إلى صلاتي وأجعل الكعبة بين حاجبي والصراط تحت قدمي والجنة عن يميني والنار عن شمالي وملك الموت ورائي أظنها آخر صلاتي ثم أقوم بين الرجاء والخوف وأكبر تكبيرا بتحقيق وأقرأ قراءة بترتيل وأركع ركوعا بتواضع وأسجد سجودا بتخشع وأقعد على الورك الأيسر وأفرش ظهر قدمها وأنصب القدم اليمنى على الإبهام وأتبعها الإخلاص ثم لا أدري أقبلت مني أم لا "
3. دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال
فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر
4. إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى
5. مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة ولهذا كانت المعطلةوالفرعونية والجهمية قطاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب
6. مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية إلى محبته
7. انكسار القلب بكليته بين يدي الله
تعالى وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات
8. الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة
9. مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيدا لحالك ومنفعة لغيرك ، وتكون مجالسةالصالحين بعدة أمور منها :
* مجالسة الصالحين من الأحياء و الانتفاع بهم : والعاقل لا شك ينتفع بصحبة الأخيار ، أنظر إلىكلب أهل الكهف ذكر في القرآن لأجل صحبة الأخيار، فكيف بالعقلاء إذا صحبوهم
* زيارة أهل الصلاح
قال أحد السلف : ((كنت إذا وجدت في قلبي قسوة نظرت إلى محمد بن واسع كان كأنه ثكلي))
وقال ابن المبارك : ((كنت إذا نظرت إلى فضيل مقت نفسي و جدد لي الحزن ، ثم بكى ))
* القراءة المستمرة لكتب التراجم :قال ابن الجوزي : ((عليكم بملاحظة سير القوم ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم ، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم .. ولو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر .. فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم وقدر هممهم ، وحفظهم ، وعباداتهم ، وغرائب علومهم مالا يعرفه من لم يطالع ، فصرت أستزري ما الناس فيه ، وأحتقر همم الطلاب ، ولله الحمد))
ومن غرائب أخبارهم ما قالته جارية الإمام مالك عنه ، قالت : ((اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة )) ، وقول الامام عيسى بن موسى الهاشمي : (( مكثت ثلاثين سنة أشتهي أن أشارك العامة أكل الهريس السوق فلا اقدر على ذلك لأجل البكور إلى سماع الحديث )) ، وامثلة ذلك كثيرة في كتب السير .
10. مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل
المعاصي ووسائل الشيطان للعبد ( انظر كلام ابن القيم في عقبات الشيطان

كن الداعية بحق :

- أكثر الناس يتأثرون " بالمرآة الاجتماعية " .. برأي الآخرين فيهم يتحركون لإرضاء الآخرين أو لكف السنتهم عنهم .. ويمكنني أنا وأنت من هذه النقطة أن نتحرك لنؤثر على الأخرين ونؤكد لهم أنهم قادرون على التصرف بمسؤولية ومبادرة وقادرون على أن يرتبطوا بالمباديء والقيم . يمكننا أن نشجعهم مستخدمين " عقلية السعة " في أن نجاحهم هو نجاح لنا لأن تفاعلهم معنا سيكون أجدى نفعا وأفضل نتائجا اذا كانوا ناضجين مبادرين مرتبطين بالمباديء .
في فترة من حياتك لابد أنك صادفت من يشجعك ويؤمن بأنك قادر على بلوغ أهدافك أكثر من ايمانك بنفسك .. هل أفادك ذلك في حياتك ؟ ماذا لو عملت انت أيضا الشيء نفسه .. ماذا لو رفعت المعنويات وأوضحت طريق النجاح وشجعت من حولك على سلوكه .. لا تدع المرآة الاجتماعية تنـزل بهم إلى الحضيض وتجرفهم إلى التافه من الأمور وتصرفهم عن اللب .. كن الملهم الموجه لهم الى الطريق القويم بايمانك بهم وحبك لهم . كن الداعية بحق .
الرواد و الحب : إن أصحاب النفوس الزكية من الرواد أثروا في مجتمعاتهم بما لهم من طاقة روحية كبيرة ، نشروا الحب والعطف و الخير ، و بحثوا عن بذور الصلاح في النفوس فأحيوا مواتها ، وتعهدوها سقاية و رعاية حتى اخضرت و أثمرت .. يقول الشهيد سيد قطب : (( عند ما تنموا في نفوسنا بذور الحب و ا لعطف نعفي انفسنا من أعباء و مشقات كثيرة ، إننا لن نكون في حاجة إلى أن نتملق الآخرين لأننا سنكون يومئذٍ صادقين مخلصين إذ نزجي إليهم الثناء ، إننا سنكشف في نفوسهم عن كنوز من الخير و سنجد لهم مزايا طيبة نثني عليها حيث نثني ونحن صادقون ، ولن يعدم الإنسان ناحية خيرة أو مزية حسنة تؤهله لكلمة طيبة .. ولكننا لا نطلع عليها ولا نراها إلا حين تنمو في نفوسنا بذرة الحب ! كذلك لن نكون في حاجة لإن نحمل أنفسنا مؤونة التضايق منهم ولا حتى مؤونة الصبر على أخطائهم وحماقاتهم , لأننا سنعطف على مواضع الضعف و النقص ، ولن نفتش عليها لنراها يوم تنمو في نفوسنا بذرة العطف !.. و بطبيعة الحال لن نجشم أنفسنا عناء الحقد عليهم أو عبء ا لحذر منهم ، فإنما نحقد على الآخرين لأن بذرة الخير لم تنم في نفوسنا نموا كافيا و نتخوف منهم لأن عنصر الثقة في الخير ينقصنا ! كم نمنح أنفسنا من الخير والطمأنينة و الراحة و السعادة حين نمنح الأخرين عطفنا وحبنا وثقتنا ، يوم تنمو في نفوسنا بذرة الحب و العطف والخير))

قصتان في التحفيز :

- لعلك اطلعت على قصة " رجل من لا مانكا " التي تحكي قصة فارس من القرون الوسطى قابل امرأة داعرة منبوذة من كل من حولها هذا الفارس رأى فيها شيئا آخر ، شيئا جميلاً ولطيفاً . رأى فيها الفضيلة وأكد لها أنها امرأة عفيفة أُجبرت على حياة البغاء وأن بامكانها أن تعود الى حياة الفضيلة . اعطاها اسماً جديداً( دُلسينيا) . في البداية نفرت منه ورفضت هذا الاسم لكنه واصل في الإيداع في رصيده العاطفي عندها وإظهار الحب بلا شروط إلى أن وصلت إلى الفضيلة وسط احتجاج وسخرية الجميع حولها .. لم يتركها دعاة السوء وسخروا منها وحاولوا ارجاعها الى حياتهاالقديمة بشتى الصور .. وبدأت تستجيب اليهم الى أن دعاها هذا الفارس وهو على فراش الموت وغنى لها أغنية (الحـلم المستحيل ) وفارق الحياة وهو يهمس لها " لا تنسي ابدا أنك دلسينيا " . واستقامت على الفضيلة حتى الموت.
- كذلك قصة الكومبيوتر في بريطانيا .. الكمبيوتر الذي تمت برمجته خطأ مصادفة .. فوصف صف الطلاب الأغبياء بأنه صف الأذكياء ووصف الطلاب الأذكياء بانه صف الطلاب الأغبياء وكان تقرير الكمبيوتر هو الأساس الذي تمحورت حوله تصورات الأساتذة في بداية العام كانوا اذا شعروا أن الطلاب الأغبياء الموصومون خطأ بالذكاء لم يفهموا كانوا يرجعون الخطأ الى طريقة التدريس والى انفسهم ويحاولون ويكررون المحاولة حتى يفهم الطلاب .. والعكس صحيح .. عندما اكتشفت الادارة أخيراً الخطأ بعد خمسة أشهر قررت أن تختبر الطلاب جميعاً دون ذكر أي شيء عن الخطأ وبالفعل وجدوا أن معدل ذكاء الطلاب الأغبياء قد ارتفع ارتفاعاً ملحوظاً وبالمقابل انخفض معدل ذكاء الطلاب الأذكياء انخفاضا ملحوظا ،وعَكَس هذا الخطأ أن التشجيع والتحفيز والايمان بالشخص ومقدراته يأتي بالعجائب في مجال اذكاء الهمة واتاحة فرص النجاح بينما الإيمان بفشل الشخص يحبطه ويجعله أقرب الى الفشل .
- سئل الأساتذة عن الأيام الأولى لتدريسهم صف الطلاب الأغبياء فقالوا لسببٍ ما كنا نرى أن أساليبنا لا تنفع مع هؤلاء الطلاب فهم لا يفهمون .. كان لابد أن نغير أساليبنا ... فالمعلومات تؤكد أنهم طلاب أذكياء .. وإن كان هناك تقصير فهو منا .. وبالفعل استطعنا أن نجعلهم يفهمون ما نريد .. نعم لقد عمل الاساتذة في دائرة تأثيرهم ولم يعملوا في دائرة القلق لذلك نجحوا .
- ماذا نعكس للآخرين عن أنفسهم ؟ ما مدى تأثير هذ المعكوس على حياتهم؟ لدينا الكثير لاستثماره في رصيدنا العاطفي عند الآخرين .. اذا كانت لنا المقدرة على رؤية الكامن من طاقات الناس واذا كان لدينا الخيال الذي يوسع لنا ما ضيقته الذاكرة … فان تعاملنا مع أزواجنا وابنائنا ورفقاء الوظيفة سيسير نحو الأفضل والأنجح . لقد قالها الفيلسوف جوته من قبل " اذا عاملت الرجل كما هو فسوف يظل كما هو لكن اذا عاملت الرجل كما يجب أن يكون فسوف يصل الى ما يجب أن يكون " .

التوازن في التجديد :

- عملية تجديد الذات يجب أن تتم في توازن تام بين الابعاد الاربعة : ( البدني – الروحي – الذهني – الاجتماعي العاطفي) .
- بالرغم من ان التجديد في أي بعد مهم جدا الا انه يكون أتم فائدة وتأثيرا في نمو الابعاد الأخرى معه أي أن تنمو كل الابعاد في ذكاء وتوازن ..إن تجاهل أي بعد يؤثر سلبا على الابعاد الأخرى .
- هذا المبدأ صحيح أيضاً مع المؤسسات . في المؤسسات البعد البدني يمثله الوضع الاقتصادي والبعد الذهني يمثله التنمية واستخدام المهارات والمواهب والبعد العاطفي الاجتماعي تمثله العلاقات العامة بينما البعد الروحي يمثله الارتباط بالمباديء والمصداقية .. عندما تتجاهل المؤسسة بعدا من هذه الابعاد سيؤثر سلبا على كل المؤسسة ... لقد وجدت مؤسسات همها الاوحد هو الاقتصاد والحصول على المال ليس لهم مبدأ واضح معلن اينما وجدتَ هذه السمة وجدتَ التنافس غير الشريف بين أقسام المؤسسة والاتصال الدفاعي والمداهنة والتملق .. نعم لا تنجح المؤسسة اذا لم تجنِ أرباحا لكن ذلك ليس هو السبب الوحيد لقيام المؤسسات تماماً مثلما اننا لا نستطيع أن نعيش دون أن نأكل لكن الأكل ليس هو سبب وجودنا .
- يجب على الافراد والمؤسسات أن يضعوا التجديد المتوازن للأبعاد الأربعة السابقة في رسالة الحياة لديهم .
الإنتصار اليومي :
- التجديد المتزن أمر متكامل ..فما تفعله لشحذ الشفرة في بعدٍ ما .. ينعكس على كل الأبعاد .. لذلك تجديد هذه الابعاد كل يوم يعتبر الانتصار اليومي الذي يعيننا على النجاح في الحياة الشخصية ثم في الحياة العامة .. من لا يجدد هذه الابعاد بانتظام في كل يوم فهو مهزوم في يومه ذلك مهما ظن أنه أنجز وتقدم .
قيل عن ابن تيمية : (( وكان إذا صلى الفجر يجلس في مكانه حتى يتعالى النهار جداً يقول هذه غدوتي لو لم أتغد هذه الغدوة سقطت قواي ))6 ، و قد أكسبه هذا الانتصار اليومي السكينة و الطمانينة يقول ابن القيم ان شيخ الاسلام قال مرة : " إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة " 1 ، وقال " ما يصنع أعدائي بي ؟ ان جنتي وبستاني في صدري أنّى رحت فهي معي لا تفارقني "2. يقول الإمام ابن القيم " زرته ذات ليلة في الرؤيا و ذكرت له بعض الأعمال القلبية فقال : أما أنا فطريقي الفرح والسرور به "3 .
إن التجديد في الابعاد الاربعة يجعلنا نتحرك في حلزون صاعد من النمو والتغير نحو الأفضل وهذا يتطلب منا أن نتعلم ونلتزم ونفعل ثم نتعلم ونلتزم ونعمل وهكذا نصعد الحلزون شيئا فشيئا .
هذا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد

في مواجهة الليبرالية









رأفت صلاح الدين



تسعى الليبرالية بكل ما أوتيت من جد وعزم إلى استقطاب صفوة المجتمعات الإسلامية؛ كالكتاب والصحفيين والأدباء والشعراء ورجال الأعمال وسيداتها، وحتى استقطاب الصفوة المنحرفة كالفنانين والفنانات الذين هم أساس الليبرالية ولبها، وكذلك لاعبي الكرة وغيرهم.
وذلك للدفع بهم في مواجهة الإسلام ، وقبل ذلك سلخهم من أي قيمة أو خلق أو عقيدة.
وإشعارهم دائما أن المعوق لهم هو الإسلام –المتشدد- والإسلام كله متشدد عندهم.
وقد نجحوا في ذلك نجاحاً مرعباً، واستطاعوا تجييش وتحزيب هذه الفئات ضد أي فكرة إسلامية، حتى لو كانت مجرد سجود بعض اللاعبين عند إحرازهم هدف، بل وزيادة عداواتهم لأي مظهر من مظاهر الإسلام، ألا ترى معي أن الحجاب ممنوع في بعض الأماكن في الدول الإسلامية، كبعض المدارس والنوادي.
وبعيداً عن الخوض في تفاصيل هذا المخطط الشيطاني في الاستقطاب والاستعداء فليس هذا محله.
ماذا قدمنا نحن لهذه الفئات والطوائف في المجتمع، فقد تعاملنا مع بعضهم بتعالي واشمئزاز، وكأنهم رجس.
يقول الرافعي:" يحسب أنه فر من الرذائل إلى فضائله، ففراره من الرذائل رذيلة لكل فضائله".
لذا العمل الهام الذي يمكن لنا أن نقدمه هو استقطابنا لهذه الفئات مرة أخرى إلى ديننا، والأمر ميسر لأن خطاب الإسلام هو خطاب الفطرة.
لذا فاستقطاب من يمكن استقطابه من هذه الفئات ، وإخراجه من ظلمات الليبرالية إلى نور الإسلام ، هو واجب شرعي، ولا يشترط أن يتبنوا السلوك الإسلامي بصورة شاملة، ولكن مجرد إخراجهم من معسكر الليبرالية هو نصر للإسلام، لأننا على الأقل حيّدناهم بعيداً عن معادة الإسلام.
وعلى سبيل المثال فئة "سيدات الأعمال" اللاتي يستميت الليبراليون في استقطابهن وقد نجحوا في استقطاب الكثيرات، وأصبحن يتبنين مفاهيمها، وفي نفس الوقت ينظرن إلى الإسلام على أنه معيق لهن، وساعدهم في ذلك بعض السلوكيات والمفاهيم الخاطئة التى يلقيها البعض في وجههن بل فقه أو وعي، وكأن الإسلام يرفض أن تتاجر المرأة أو تكون ثروة.
فلماذا لا نبادر نحن ونصحح المفاهيم المغلوطة ونتبنى فكرة [نادى سيدات الأعمال المسلمات] الذي يوجههم نحو الأفضل لهن في دينهن ودنياهن.
يمكن البداية بعمل ورشة عمل أو مؤتمر عن (( دور سيدات الأعمال في العمل الخيري)) أو (( دور سيدات الأعمال في الدعوة إلى الله)) ، ومحاولة استثارة حماسهن نحو التفاعل مع قضايا المسلمين المنكوبين في كل مكان.
وأرى أن هذه الأفكار وغيرها ستلقى قبولاً واسعاً عند الكثيرات منهن وخاصة المتدينات منهن.

هذه المؤتمرات والورش سيكون لها فوائد منها:
1- استقطاب هذه الفئة، والتي شاهدنا في الفترة الأخيرة نشاط الليبرالية بينهن، وما ملتقى خديجة بجدة ببعيد عنا، وكذلك قدوم الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون بنفسه والاجتماع بهن في جو مختلط، لاقى ترحيب بينهن.
2- الاستفادة من دعمهن للعمل الخيري والدعوي، وقد نجد منهن ما لم نكن نتوقعه، وكثيرات منهن يبغين الخير ولكن لا يجدن إلى ذلك سبيلاً، وذلك بعرض مشاريع دعوية أو خيرية.
3- الخروج من حالة رد الفعل المسيطرة على العمل الإسلامي، فلا ننشغل بالرد على الأمر إلا بعد تمكنه وإتمامه، هنا تنطلق الحناجر في الرد عليه وفضحه، ولكن بعدما يكون قد تمكن في الأرض وصلب عوده، وأعداؤنا يعلمون ذلك ويستغلونه فينا.
لذا فهذه خطوة منا لنبادر ونعمل شيء واقعي.
4- تحييد الكثيران منهن، وذلك بعد إيجاد تصور شامل لعمل المرأة وخاصة في مجال التجارة والأعمال، ووضع حلول لما يقابلهن من مشاكل، ولا يجدن لها حلاً إلا على الطريقة الليبرالية.
5- تكوين جيل من المسلمات سيدات الأعمال اللاتي يستطعن تقديم نموذج إسلامي صحيح للمرأة العاملة أو سيدة الأعمال بديلاً عن تقليد الغربيات أو الليبراليات

العبر من أحداث تونس ومصر

العبر من أحداث تونس ومصر

د/ عبدالرحمن بن صالح بن عثمان المزيني


بسم الله الرحمن الرحيم


قال تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (120هود) وقال سبحانه (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(يوسف111) لقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوقوف عند الحوادث وأخذ العبرة منها ولفت الأنظار إلى ما يحيي القلوب وينفع في الدنيا والآخرة وكذلك شأن أهل الإيمان. ولهذا جاءت الآيات بالأمر بالاعتبار ومدح المعتبرين .فقد قال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ* إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) والآيات في هذا المعنى كثيرة. ومما يدل على هذا المعنى من السنة ما جاء في صحيح الإمام مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلاً مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ فَمَرَّ بجدي أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ « أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ ». فَقَالُوا مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بشيء وَمَا نَصْنَعُ بِهِ قَالَ « أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ ». قَالُوا وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ فَقَالَ « فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ ».

وبعد هذا فقد مرت بنا أحداث ذات عبر في تونس ومصر تمخضت عن هروب الرئيس التونسي وطلبه اللجوء وإسقاط الرئيس المصري. وربما - والله أعلم- يتبعها أحداث أخر. فتأملت تلك الأحداث فوجدت فيها دروسا وعبرا , أحببت تقييدها لعل الله أن ينفع بها.فأقول مستعينا بالله قاصدا بابه راجيا هدايته وتوفيقه . فمن تلك العبر والدروس:-


1- كما تكونوا يول عليكم فما بالنا نتحدث عن فساد حكامنا كثيرا ،ولا نتحدث عن فساد أنفسنا !! وما بالنا نلقي بكل اللائمة على الحكام، ولا نلوم الرعية على ما هي عليه من اعوجاج وفساد وضلال ؟ فالحاكم هو نتاج طبيعي للشعب الذي خرج منه . قال علي رضي الله عنه عندما سأله رجل: ما بال الناس قد اختلفوا عليك، ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟ فأجابه: لأنهما كانا واليين على مثلي، وأنا وال على مثلك..!! وقال عبد الملك بن مروان ، وهو يخطب على منبر المدينة : أنصفونا يا معشر الرعية تريدون منا أن نسير فيكم سيرة أبي بكر وعمر ! ولا تسيرون في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر .أ.هـ !!
فما سلط الحاكم بأخذ الأموال وسجن الأبرياء إلا بسبب ذنوب الرعية من ترك للواجبات وانتهاك للمحرمات.وما تسلطت الرعية على الحاكم بالخروج والمظاهرات إلا بسبب ذنوب الحكام. من الحكم بغير ما أنزل الله وموالاة الكفار والغرق في الملاذ المحرمة وتضييع البلاد.
قال شيخنا ابن عثيمين في لقاء الباب المفتوح: ولاة الأمور من العلماء والأمراء عندهم خطأ كثير، لكن جاء في الأثر: ( كما تكونوا يولِّ عليكم ).انظروا إلى أحوال الناس، فمن حكمة الله أن الولي والمولى عليه يكونون متساويين كما قال تعالى: { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الأنعام:129] كذلك يولي الله على الصالحين الصلحاء، وإذا نظرنا إلى أحوال الرعية وجدنا أنفسنا نحن الرعية عندنا تفريط في الواجبات وإخلال وتهاون، وتهافت على المحرمات، نجد الغش في المعاملات، والكذب والتزوير وشهادة الزور وأشياء كثيرة، فلو أن الإنسان تعمق وسلط الأضواء على حال المجتمع الإسلامي اليوم لعرف القصور والتقصير، فالمجتمع الإسلامي مجتمع صدق ووفاء وأمانة، وكل هذه مفقودة الآن إلا ممن شاء الله.فإذا أضعنا نحن الأمانة فيما نحن أمناء فيه -وليس عندنا ولاية كبيرة- فكيف من له ولاية أمرنا؟ قد يكون أشد منا إضاعة للأمانة، لكن استقيموا يول الله عليكم من يستقيم.أ.هـ

2- الضرورة الملحة للعلم الشرعي المؤصل وللعلماء الربانيين الذين يشاركون الناس آمالهم وآلامهم ويفتحون صدورهم للشباب.فخطر سكوت العلماء ظاهر, فإذا انعزل العلماء لجأ الناس إلى نكرات الشبكة العنكبوتية والمتطفلين على العلم.

3- تبين أيام الفتنة أهمية السلطان –ولو كان ظلوما- فقد ضاع الأمن وحصل النهب والفساد, واشتغل الناس في حماية اعراضهم وممتلكاتهم. قال الماوردي رحمه الله: الْإِمَامَةُ مَوْضُوعَةٌ لِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا ، وَعَقْدُهَا لِمَنْ يَقُومُ بِهَا فِي الْأُمَّةِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ.أ.هـ فمابالك إذا كان يحكم بشريعة الله ويوالى أولياء الله ويعادي أعداءه ؟ فيعم الخير والرخاء
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم *** ولا سراة إذا جهالهم سادوا
قال في إحياء علوم الدين:واعلم أن السلطان به قوام الدين فلا ينبغي أن يستحقر وإن كان ظالما فاسقا قال عمرو بن العاص رحمه الله : إمام غشوم خير من فتنة تدوم وقال النبي صلى الله عليه وسلم سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون ويفسدون وما يصلح الله بهم أكثر فإن أحسنوا فلهم الأجر وعليكم الشكر وإن أساءوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر .أ.هـ قال في جامع العلوم والحكم:السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم كما قال على بن أبي طالب رضي الله عنه :إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر إن كان فاجرا عبد المؤمن فيه ربه وحمل الفاجر فيها إلى أجله. وقال الحسن في الأمراء: هم يلون من أمورنا خمسا الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود والله ما يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا أو ظلموا والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون مع أن -والله إن- طاعتهم لغيظ وإن فرقتهم لكفر.أ.هـ قال ابن عبد البر في التمهيد: ويقيم الأعياد والجمعات وتؤمن به السبل وينتصف به المظلوم ويجاهد عن الأمة عدوها ويقسم بينها فيئها لأن الاختلاف والفرقة هلكة والجماعة نجاة قال ابن المبارك رحمه الله:

إن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا
كم يرفع الله بالسلطان مظلمة ... في ديننا رحمة منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تؤمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبا لأقوانا.أ.هـ

4- ظهر على أولئك الحكام الذين اسقطوا عظمة الأسى على فقد السلطة والرئاسة مع الحرص على التشبث بها.ففي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ) قال في الفتح: قال الداودي: نعم المرضعة أي في الدنيا وبئست الفاطمة أي بعد الموت لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك فهو كالذي يفطم قبل أن يستغني فيكون في ذلك هلاكه وقال غيره نعم المرضعة لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها وبئست الفاطمة عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما يترتب عليها من التبعات في الآخرة.أ.هـ وقال ابن بطال: قال المهلب : حرص الناس على الإمارة ظاهر العيان ، وهو الذي جعل الناس يسفكون عليها دماءهم ، ويستبيحون حريمهم ، ويفسدون في الأرض حين يصلون بالإمارة إلى لذاتهم ، ثم لابد أن يكون فطامهم إلى السوء وبئس الحال ؛ لأنه لا يخلو أن يقتل عليها أو يعزل عنها وتلحقه الذلة أو يموت عليها فيطالب في الآخرة فيندم . .أ.هـ وقال العيني: قال الكرماني نعم المرضعة أي نعم أولها وبئست الفاطمة أي بئس آخرها وذلك لأن معها المال والجاه واللذات الحسية والوهمية أولا. لكن آخرها القتل والعزل ومطالبات التبعات في الآخرة.أ.هـ

5- لايمكن أن ترضى الشعوب,وتنقاد للحاكم إلا بتطبيق شريعة الله في جميع مناحي الحياة .فهي الظل الذي يأمن به الراعي والرعية حتى من غير المسلمين, والتأريخ شاهد .قال تعالى: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (82الانعام) وفي سنن الإمام الترمذي وصححه الألباني عن رجل من أهل المدينة قال : كتب معاوية إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن اكتبي إلي كتابا توصيني فيه ولا تكثري علي فكتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية سلام عليك أما بعد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس والسلام عليك . قال ابن تيمية في الفتاوى: أَنَّا مَأْمُورُونَ بِأَنْ نَتَحَرَّى رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى :{ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ } وَعَلَيْنَا أَنْ نَخَافَ اللَّهَ فَلَا نَخَافُ أَحَدًا إلَّا اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } وَقَالَ :{ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ } وَقَالَ : { فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } { وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ } . فَعَلَيْنَا أَنْ نَخَافَ اللَّهَ وَنَتَّقِيَهُ فِي النَّاسِ ، فَلَا نَظْلِمَهُمْ بِقُلُوبِنَا وَلَا جَوَارِحِنَا وَنُؤَدِّيَ إلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ بِقُلُوبِنَا وَجَوَارِحِنَا ، وَلَا نَخَافَهُمْ فِي اللَّهِ فَنَتْرُكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ خِيفَةً مِنْهُمْ . وَمَنْ لَزِمَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ كَانَتْ الْعَاقِبَةُ لَهُ كَمَا كَتَبَتْ عَائِشَةُ إلَى مُعَاوِيَةَ.أ.هـ

6- (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ )(البقرة120)فكم تنازل هولاء لليهود والنصارى فما أغنوا عنهم شيئا.قال الطبري في تفسيره: وليست اليهود ، يا محمد ، ولا النصارى براضية عنك أبدا ، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم ، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق، فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم. ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم، لأن اليهودية ضد النصرانية، والنصرانية ضد اليهودية، ولا تجتمع النصرانية واليهودية.أ.هـ قال في فتح القدير: ليس غرضهم ، ومبلغ الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات ، ويوردونه من التعنتات ، فإنك لو جئتهم بكل ما يقترحون ، وأجبتهم عن كل تعنت لم يرضوا عنك ، ثم أخبره بأنهم لن يرضوا عنه حتى يدخل في دينهم ويتبع ملتهم.أ.هـ

7- لقد شاهدنا ذل المعصية على أهلها فبعد العز والمنعة والسؤدد يخلع هذا كله كرها وغما. أبى الله إلا أن يذل من عصاه قال تعالى:( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين )(8المنافقين) وقال سبحانه:( إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ) فأصحاب المعاصي لهم نصيب من الذلة والصغار ،بحسب ما اقترفوه منها , قال في الجواب الكافي: الْمَعْصِيَةَ تُورِثُ الذُّلَّ وَلَا بُدَّ ؛ فَإِنَّ الْعِزَّ كُلَّ الْعِزِّ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ تَعَالَى :(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [ فَاطِرٍ 10 ] أَيْ فَلْيَطْلُبْهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجِدُهَا إِلَّا فِي طَاعَةِ اللَّهِ.وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ بَعْضِ السَّلَفِ : اللَّهُمَّ أَعِزَّنِي بِطَاعَتِكَ وَلَا تُذِلَّنِي بِمَعْصِيَتِكَ .قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : إِنَّهُمْ وَإِنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ الْبِغَالُ ، وَهَمْلَجَتْ بِهِمُ الْبَرَاذِينُ ، إِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَا يُفَارِقُ قُلُوبَهُمْ ، أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ :

رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ *** وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا
وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ *** وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا أ.هـ

وقال أبو العتاهية :

ألا إنما التقوى هي العز والكرم * وحبك للدنيا هو الذل والسقم
وليس على عبد تقي نقيصة * إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم


8- (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (165ال عمران ) وقال سبحانه: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر43)فإن ما وقع من البلايا سواء على مستوى الشعوب أو على مستوى الأفراد مرده إلى الذنوب والمعاصي.قال في الجواب الكافي: وَمِنْ عُقُوبَاتِ الذُّنُوبِ : أَنَّهَا تُزِيلُ النِّعَمَ ، وَتُحِلُّ النِّقَمَ ، فَمَا زَالَتْ عَنِ الْعَبْدِ نِعْمَةٌ إِلَّا بِذَنْبٍ ، وَلَا حَلَّتْ بِهِ نِقْمَةٌ إِلَّا بِذَنْبٍ ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : مَا نَزَلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ ، وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ .وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [ الشُّورَى 10 ] . وَقَالَ تَعَالَى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [ الْأَنْفَالِ 53 ] .فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ نِعَمَهُ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُغَيِّرُ مَا بِنَفْسِهِ، فيغير طاعة اللَّهِ بِمَعْصِيَتِهِ، وَشُكْرَهُ بِكُفْرِهِ، وَأَسْبَابَ رِضَاهُ بِأَسْبَابِ سُخْطِهِ، فَإِذَا غَيَّرَ غَيَّرَ عَلَيْهِ، جَزَاءً وِفَاقًا، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.فَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْصِيَةَ بِالطَّاعَةِ، غَيَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ بِالْعَافِيَةِ، وَالذُّلَّ بِالْعِزِّ.وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) [الرَّعْدِ11 ].وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ الْإِلَهِيَّةِ ، عَنِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي ، لَا يَكُونُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي عَلَى مَا أُحِبُّ ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى مَا أَكْرَهُ ، إِلَّا انْتَقَلْتُ لَهُ مِمَّا يُحِبُّ إِلَى مَا يَكْرَهُ ، وَلَا يَكُونُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي عَلَى مَا أَكْرَهُ ، فَيَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى مَا أُحِبُّ ، إِلَّا انْتَقَلْتُ لَهُ مِمَّا يَكْرَهُ إِلَى مَا يُحِبُّ. وَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ :

إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا *** فَإِنَّ الذُّنُوبَ تُزِيلُ النِّعَمْ
وَحُطْهَا بِطَاعَةِ رَبِّ الْعِبَادِ *** فَرَبُّ الْعِبَادِ سَرِيعُ النِّقَمْ.أ.هـ

9- الكبت يولد الانفجار وهذا ما لوحظ على تلك الشعوب المقهورة المسلوبة فإن الانفجارات الكبرى في التاريخ تحدث دائماً حين يشتد ضغط الطغاة ,فيكون هذا الضغط هو الذي يولد الانفجار،والشعوب إذا انفجرت صعب تهدئتها وربما دخل فيهم من يحب الفساد ولايحب الإصلاح فزاد إيقاد الفتيل فلا يكون في مقدور العقلاء إخماد الفتنة.ثم لاتجدي ولا تنفع التنازلات وهذا هو عين ما شاهدناه في الأحداث الأخيرة.

10- لا شك أن وسائل الإعلام - بمختلف أشكالها- سلاح ذو حدين، والواجب أن تستعمل في تبليغ دين الله - جل في علاه -، و نشر الوعي بين الناس، وتبصيرهم بالأخطار الداخلية والخارجية التي تهددهم.ومن المؤذن بالخطر أن وسائل الإعلام المؤثر بيد أعدائنا.فالواجب الحذر من سموم الإعلام واليقظة.مع استغلالها لمصالحنا.

11- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (52المائدة) وهذا ما وقع حقا فكم سارعوا في إرضاء الكفار وهاهم يندمون إن كانوا موقنين.

12- تبين من تلك الأحداث أن الظلمة لا يخافون الله ولا يراقبونه ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة.فالشعوب تئن تحت وطأة الفقر وهم يعلمون بل هم سببه ولم يغيروا ولم يتمعروا .ولكن صدق الله (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج18)

13- شاهدنا -بفضل الله- عاقبة الظلم والظالمين.وصدق الله وعده حيث يقول:(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ( ال عمران86) وقال سبحانه: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (الحجر42) وفي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.وفي مسلم عن أبى ذر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا..)وفيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال « اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ».وفيه عن أبى سعيد قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة ».قال النووي: وفي هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين وقيل لأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء كما جاء في الحديث الصحيح في تعظيم كذب الملك .والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر وذكر القاضي عياض احتمالين أحدهما هذا وهو نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته وللكفار وغيرهم أو غدره للأمانة التي قلدها لرعيته والتزم القيام بها والمحافظة عليها ومتى خانهم أو ترك الشفقة عليهم أو الرفق بهم فقد غدر بعهده ,والاحتمال الثاني: أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام فلا يشقوا عليه العصا ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه والصحيح الأول والله أعلم .أ.هـ

لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدرا **** فالظلم آخره يأتيك بالندم
تنام عينك والمظلوم منتبه **** يدعوا عليك وعين الله لم تنم

وقال آخر:

وَإِيَّاكَ وَالظُّلْمَ مَهْمَا اسْتَطَعْت *** فَظُلْمُ الْعِبَادِ شَدِيدُ الْوَخَمْ
وَسَافِرْ بِقَلْبِكَ بَيْنَ الْوَرَى *** لِتَبْصُرَ آثَارَ مَنْ قَدْ ظَلَمْ
فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ بَعْدَهُمْ *** شُهُودٌ عَلَيْهِمْ وَلَا تَتَّهِمْ
وَمَا كَانَ شَيْءٌ عَلَيْهِمْ أَضَرَّ *** مِنَ الظُّلْمِ وَهُوَ الَّذِي قَدْ قَصَمْ
فَكَمْ تَرَكُوا مِنْ جِنَانٍ وَمِنْ *** قُصُورٍ وَأُخْرَى عَلَيْهِمْ أُطُمْ
صَلَوْا بِالْجَحِيمِ وَفَاتَ النَّعِيمُ *** وَكَانَ الَّذِي نَالَهُمْ كَالْحُلُمْ

ولقد حفظت لنا كتب التأريخ نهاية المعتمد بن عباد وكان من أكبر ملوك الطوائف وأكثرهم بلاداً ورغدا وبلغ الترف بالمعتمد بن عباد أنه كان عنده جارية ورأت نساء يخضن في الطين والوحل فأحبت أن تصنع مثلهن فأمر بالكافور والمسك وماء الورد فخلط بعضه ببعض، حتى صار في أرض القصر طينًا، من المسك والكافور وماء الورد. ثم جاء بقِرَب وحزمها بالإِبْريسَم، وهو نوع من الحرير، ثم حملتها هذه الجارية ومن معها، وبدأن يطأن فيه وتم لهن ما أردن.وبعد هذا العز والمنعة يموت مأسورا بعد أن استولى ابن تاشفين على جميع ممالكه وذخائره، وسجنه بأغمات، ولم يجر على أولاده ما يكفيهم، فكان بنات المعتمد بن عباد يغزلن بأيديهن، وينفقن على أنفسهن.ولما كان مسجوناً دخل عليه من بنيه يوم عيد من يسلم عليه ويهنيه وفيهم بناته وعليهن أطمار كأنها كسوف وهن أقمار وأقدامهن حافية وآثار نعمتهن عافية. فقال المعتمد :

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا ... فساءك العيد في أغمات، مأسورا
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً، ... فردك الدهر منهياً، ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بالأحلام مسرورا

قال في صيد الخاطر : سبحان الملك العظيم الذي من عرفه خافه، ومن أمن مكره قط ما عرفه. لقد تأملت أمراً عظيماً أنه عز وجل يمهل حتى كأنه يهمل فترى أيدي العصاة مطلقة كأنه لا مانع.فإذا زاد الانبساط ولم ترع العقول أخذ أخذ جبار.وإنما كان ذلك الإمهال ليبلو صبر الصابر، وليملي في الإمهال للظالم، فيثبت هذا على صبره، ويجزي هذا بقبيح فعله.
مع أن هنالك من الحلم في طي ذلك ما لا نعلمه.فإذا أخذ أخذ عقوبة رأيت على كل غلطة تبعة.وربما جمعت فضربت العاصي بالحجر الدامغ.أ.هـ

14- في الفتن والأحداث والمحن فرص لنفع الناس كالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(125النحل) وقال سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110ال عمران) وعن تميم الداري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال « الدين النصيحة » قلنا لمن قال « لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ».رواه مسلم.

15- إذا حل مقت الله بأحد من الخلق فلا راد له ولا مانع.قال تعالى عن ابن نوح :(قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود43) قال تعالى:( إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) (الجاثية19)

16- (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِين))َ (الزخرف67) قال ابن سعدي: وإن الأخلاء يومئذ، أي: يوم القيامة، المتخالين على الكفر والتكذيب ومعصية اللّه، { بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } لأن خلتهم ومحبتهم في الدنيا لغير اللّه، فانقلبت يوم القيامة عداوة.{ إِلا الْمُتَّقِينَ } للشرك والمعاصي، فإن محبتهم تدوم وتتصل، بدوام من كانت المحبة لأجله.أ.هـ فمن كانت محبتهم لغير الله انقلبت عداوة ورمي بالتهم وتخل عن المسؤوليات , ورميها على الآخرين.

17- (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) (الاحزاب38) وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل فمن كان يدري بما صار إلا الله تعالى. قال ابن القيم في الشفاء : \" وقال الإمام أحمد : القدرُ قدرة الله . واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جداً ، وقال : هذا يدل على دقة أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين ، وهو كما قال أبو الوفا ، فإن إنكاره إنكار لقدرة الرب على خلق أفعال العباد وكتابتها وتقديرها \" وقال في النونية:

فحقيقة القدر الذي حار الورى *** في شأنه هو قدرة الرحمن
واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد*** لما حكاه عن الرضا الربان
له قال الإمام شفى القلوب بلفظةٍ *** ذات اختصار وهي ذات بيان

18- الواجب دائما وأبدا إحسان الظن بالله الكريم والحذر من سوء الظن به.قال تعالى: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا )(الفتح12) وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي..) فلا عجب فيما وقع، لنفوذ مشيئته التامة في كل شيء، فلا يستغرب على قدرته شيء.قال تعالى: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (هود73)

19- ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) (11الرعد) قال ابن كثير رحمه الله عند هذه الآية: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا تحول لهم مما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن مصداق ذلك في كتاب الله: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }وقد ورد هذا في حديث مرفوع....وقال عن عمير بن عبد الله قال: خطبنا علي بن أبي طالب على منبر الكوفة، قال: كنت إذا سكتُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأني، وإذا سألته عن الخبر أنبأني، وإنه حدثني عن ربه، عز وجل، قال: \"قال الرب: وعزتي وجلالي، وارتفاعي فوق عرشي، ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهتُ من معصيتي، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي\" .وهذا غريب، وفي إسناده من لا أعرفه.أ.هـ

20- رخص الوقت عند كثير من الناس فكم أهدرت من أوقات من أجل متابعة أخبار الأحداث فيتقلب الواحد بين محطات الأخبار والخبر معلوم مكرور.وربما لم يسلم من مشاهدة المحرم أو سماعه. والواجب القصد والعدل في ضبط الأوقات.قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (116المؤمنون) وفي صحيح مسلم عن معقل بن يسار رده إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (العبادة في الهرج كهجرة إلىَّ).قال النووي رحمه الله: الْمُرَاد بِالْهَرْجِ هُنَا الْفِتْنَة وَاخْتِلَاط أُمُور النَّاس . وَسَبَب كَثْرَة فَضْل الْعِبَادَة فِيهِ أَنَّ النَّاس يَغْفُلُونَ عَنْهَا ، وَيَشْتَغِلُونَ عَنْهَا ، وَلَا يَتَفَرَّغ لَهَا إِلَّا أَفْرَاد .أ.هـ

21- اعلم أن الفرج بعد الشدة والعسر بعده اليسر قال تعالى:(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح6) وقال تعالى:(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (7الطلاق)

ولرب نازلة يضيق بها الفتى *** ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لا تفرج

22- لعل هذه الأحداث أن توقظ قلوب الظلمة الغافلين إن كان الله يريد بهم خيرا. قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) (سبأ17) وقال سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (2الحشر)

23- صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن من تطلع للرئاسة والإمارة والمناصب يخذل فعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا..)متفق عليه. قال ابن بطال: قال المهلب : فيه دليل على أنه من تعاطى أمرًا وسولت له نفسه أنه قائم بذلك الأمر أنه يخذل فيه في أغلب الأحوال ؛ لأنه من سأل الإمارة لم يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلا لها ، فقد قال صلى الله عليه وسلم :وكل إليها. بمعنى لم يعن على ما أعطاه، والتعاطي أبدًا مقرون بالخذلان، وإن من دعي إلى عمل أو إمامة في الدين فقصر نفسه عن تلك المنزلة وهاب أمر الله؛ رزقه الله المعونة، وهذا إنما هو مبنى على أنه من تواضع لله رفعه.أ.هـ

24- باب التوبة مفتوح لكل من اخطأ فالبدار البدار.ففي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا فَأَتَوْا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً فَنَزَلَ (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ ، وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ، وَلاَ يَزْنُونَ)وَنَزَلَ (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ).

25- الحقوق المسلوبة - سواء من خزانة الدولة أومن حقوق الأفراد- لابد من إرجاعها. اليوم قبل يوم الحساب . ففي صحيح مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال « لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ».وقال تعالى:( لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (الرعد18)

26- حقارة الدنيا وأنها فيء زائل, سريعة الزوال والتقلب بأهلها قال تعالى:(فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (24يونس) وقال تعالى عن قارون: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (القصص82) وقال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (20الحديد) والآيات في هذا المعنى كثيرة فتأمل !! .

27- طالب الدنيا لا يشبع -من الحلال أو الحرام- فقد هال الناس ما سمع من الأرصدة المختلسة من أموال المسلمين في البنوك العالمية,لبعض المسؤولين في تلك الحكومات. وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلاَّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ).
28- ظهر _بحمد الله _أثر الدعاء . قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ )(60غافر) وعن أنس بن مالك رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه و سلم : قال لا تعجزوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد) رواه الحاكم وقال هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه.
قال الشّافعيّ- رحمه اللّه-:

أتهزأ بالدّعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدّعاء
سهام اللّيل لا تخطي ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاء

وقال:

وربّ ظلوم قد كفيت بحربه ... فأوقعه المقدور أيّ وقوع
فما كان لي الإسلام إلّا تعبّدا ... وأدعية لا تتّقى بدروع
وحسبك أن ينجو الظّلوم وخلفه... سهام دعاء من قسيّ ركوع
مريّشة بالهدب من كلّ ساهر ... مُنْهلَّة أطرافها بدموع

وفي نهاية البرامكة عبرة للمعتبر حيث طغوا، وتجبروا، وظلموا، وتكبروا، حتى إنهم طلوا قصورهم بالذهب والفضة، ويوم شاء الله عز وجل أن ينتقم للمظلومين في هذه الحياة، سلط الله عليهم ، فيسجنوا ويقتل منهم من يقتل، ويسجن كبيرهم، ويدخل عليه أحد أبنائه في يوم عيد ويقول: أبتاه! بعد العز والغنى أصبحت في السجن وعلى التراب، قال: ألا تدري؟ قال: لا.قال: يا بني! دعوة مظلوم سرت في جوف الليل، نمنا عنها وليس الله عنها بنائم.
فهل يعي برامكة هذا الزمان ويخافوا سوء العاقبة.ويراجعوا حساباتهم قبل فوات الأوان وقبل أن يحل بهم الخزي والعار والشنار. نسأل الله لهم الهداية.

29- يحق للمؤمن أن يفرح بسقوط الطغاة قال في البداية والنهاية : قال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن عبد الله التيمي قال: لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مطعم الطعام، وميتم الأيتام، ومرمل النساء، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات، ثم أنشأت تقول:

اليوم يرحمنا من كان يبغضنا *** واليوم يأمننا من كان يخشانا

وروى عبد الرزاق: عن معمر، عن ابن طاووس عن أبيه: أنه أخبر بموت الحجاج مرارا فلما تحقق وفاته قال: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [ الأنعام: 45 ] وروى غير واحد أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكرا لله تعالى، وكان مختفيا فظهر، وقال اللهم أمته فأذهب عنا سنته.وقال حماد بن أبي سليمان: لما أخبرت إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح....وذكر رحمه الله: أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمائة درهم ومصحفا وسيفا وسرجا ورحلا ومائة درع موقوفة.أ.هـ .!!فهولاء يفرحون بموت من لم يسرق خيرات بلادهم.فكيف نلوم من يفرح اليوم ؟ !!. بل لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الملوك فقبل الله الدعاء وفرح بذلك المسلمون ففي البخاري عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلاً وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ)

30- داخل المجتمعات من يتربص بها الدوائر.من أصحاب الأهواء والملل والمذاهب الباطلة. وأهل الإفساد والأطماع. فيجب أن يحسب لذلك الحسابات.عند اندلاع الفتن وانفلات الزمام.وبعد سكون عاصفة الفتنة حتى لا تضيع الثمرة ويجنيها الغير. قَالَ الْمُتَنَبِّي :

بِذَا قَضَتْ الْأَيَّامُ مَا بَيْنَ أَهْلِهَا*** مَصَائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائِدُ


31- إذا وقعت الفتن غفل الناس عن الأحكام الشرعية والحدود المرعية فقد رأينا في تلك الأحداث الحوارات والمجالس التي ينصب الحديث فيها عن الحدث والتحليلات السياسية وقليل من تكلم عن الحكم الشرعي وخطورة المآلات وعواقب الفتن .

32- الحب والبغض من الله فقد رأينا كيف جعل الله البغض في قلوب الملايين في العالم لرجل واحد ولا عجب ففي صحيح مسلم وأصله في الصحيحين عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه, قال: فيحبه جبريل ثم ينادى في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه. فيحبه أهل السماء , قال :ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه , قال: فيبغضه جبريل ثم ينادى في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه , قال : فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض ».وفي مسلم عن عوف بن مالك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: « خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ».فلا تعجب إذا علمت كيف جمع الله قلوب خلائق كثيرة الأبيض منهم والأسود العربي منهم والأعجمي الصغير منهم والكبير الذكر منهم والأنثى على محبة محمد صلى الله عليه وسلم.

33- هم الغرب الكافر مصالحهم الخاصة.فلم يراعوا تلك الصداقات والولاء بل قلبوا لهم ظهر المجن ورفضوا مد يد العون بل رفضوا حتى منح اللجوء حفاظا على مصالحهم.وانقضاء حاجتهم من هولاء!! فصدق الله العظيم (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) (16الحشر)

34- إذا أراد الله بالحاكم خيرا جعل له أعوانا على الخير وإذا أراد به شرا جعل له أعوانا ظلمة فشاركوه الظلم والفساد والاستبداد وهذا ما جلاه الله لنا في هذه الأحداث فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :(إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ إِنْ نَسِىَ ذَكَّرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ إِنْ نَسِىَ لَمْ يُذَكِّرْهُ وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ).رواه ابوداود وغيره وصححه الألباني.
وختاما فإني أوصي نفسي وأخواني بالحذر من الدخول فيما لم تتبن فيه العواقب وعدم العجلة .ووجوب النظر في المصالح والمفاسد .فإن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح ودرء المفاسد. قال أبو نعيم في الحلية: أتت الحرورية مطرفا تدعوه إلى رأيهم فقال :لو كان لي نفسان لقدمت أحدهما قبل الأخرى فإن هجمت على خير أتبعتها الأخرى وإلا أمسكتها ولكن إنما لي نفس واحدة ما أدري على ما تهجم خير أو شر.وقال عن عَبْد الله بن عُمَر رضي الله تعالى عنه: إنما كان مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم كانوا يسيرون على جادة يعرفونها فبينما هم كذلك إذ غشيتهم سحابة وظلمة فأخذ بعضهم يمينا وشمالا فأخطأ الطريق وأقمنا حيث أدركنا ذلك حتى جلى الله ذلك عنا فأبصرنا طريقنا الأول فعرفناه وأخذنا فيه وإنما هؤلاء فتيان قريش يقتتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا ما أبالي أن يكون لي ما يقل بعضهم بعضا بنعلي هاتين الجرداوين. وفي سير أعلام النبلاء: عن الشعبي، قال: كان مسروق إذا قيل له: أبطأت عن علي وعن مشاهده، فيقول: أرأيتم لو أنه حين صف بعضكم لبعض فنزل بينكم ملك فقال: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) أكان ذلك حاجزا لكم ؟ قالوا: نعم، قال: فو الله لقد نزل بها ملك كريم على لسان نبيكم، وإنها لمحكمة ما نسخها شئ.
وفي تاريخ الإسلام للذهبي قال أيوب السختياني في العلماء الذين خرجوا مع ابن الأشعث: لا أعلم أحداً منهم قتل إلا رغب له عن مصرعه، أو نجا إلا ندم على ما كان منه. وفي الطبقات الكبرى لابن سعد: أَتَى مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَمَانَ ابْنِ الأَشْعَثِ نَاسٌ يَدَعُونَهُ إِلَى قِتَالِ الْحَجَّاجِ ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ : أَرَأَيْتُمْ هَذَا الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ ، هَلْ يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالُوا : لاَ قَالَ : فَإِنِّي لاَ أُخَاطِرُ بَيْنَ هَلَكَةٍ أَقَعُ فِيهَا ، وَبَيْنَ فَضْلٍ أُصِيبُهُ. ويذكر عن مجاهد بن جبر رحمه الله. أنه قال حين دعي للمشاركة في الفتنة: عده بابا من أبواب الخير تخلفت عنه.فاللهم أصلح أحوالنا كما أصلحت أحوالهم و أعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم احفظ بلاد المسلمين من كل مكروه .وأمر عليهم خيارهم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه

د.عبد الرحمن بن صالح بن عثمان المزيني
المشرف العام على موقع رياض الإسلام

www.riyadhalislam.net
محافظة الرس. ‏09 ‏ربيع الأول, ‏1432هـ
almuzaini.a@gmail.com

فتاة الثورة













فتاة الثورة



د. نهى قاطرجي



بسم الله الرحمن الرحيم



لم تكن أسماء تفكر في يوم من الأيام أنها يمكن أن تكون وراء ثورة شعبية تهز العالم وتغير النظام الذي استبد بالناس طوال ثلاثين سنة. كل ما كانت تفكر به أسماء في ذلك اليوم هو حث الناس على المشاركة في تظاهرة صغيرة كالتي نظمت في 6 ابريل عام 2008، والتي على رغم أنها انتهت كالعادة بسيطرة الشرطة واقتياد المجموعة التي قامت بها إلى غياهب السجون ، إلا أنها كانت نموذجاً من نماذج التعبير عن الرفض للذل والهوان الذي كان يمارس ضد 80 مليون إنسان خلال عقود من الزمن.

لقد كان تاريخ السادس من ابريل تاريخاً مميزا في حياة أسماء ، إذ من بعده ، تحولت حياتها بالكامل، وتغيرت اهتماماتها من طالبة جامعية عادية إلى مناضلة سياسية فاعلة على الأرض ، وتمكنت بعد ذلك، بمشاركة زميلاتها وزملائها من تغيير النظرة السائدة حول الشباب المصري المغيب عن الساحة السياسية، إما غرقاً في مشاكل الفقر والحاجة، أو انغماساً في حياة الترف.

ما ورد لا يعني بأن أسماء كانت بعيدة عن الجو السياسي بشكل عام ، فقد تربت منذ الصغر على الحوار والانفتاح والعلم، وكان والدها يناقشها في الأخبار التي تكتب في الجرائد ويتحاور معها حولها، وقد ترك لها الحرية في اختيار الرأي الذي يتناسب مع قناعاتها، وإن كان بشكل عام غير مؤيد لنشاطها السياسي، ليس لعدم ثقته بها ، بل لخوفه عليها من الأذية التي يمكن أن تتعرض لها ، وكان يقول لها " أنت بنت ومش وش بهدلة " . إلا انه على رغم موقفه المستمد من سنوات القهر والهوان، لكنه لم يمنع ابنته من القيام بدورها ، غير آبه بالضغوطات والتهديدات والمضايقات الأمنية التي تعرض لها هو وعائلته إثر القبض عليها في مظاهرات 6 ابريل . وعندما بدأت نتائج ثورة 25 يناير بالظهور ، ودخل اسم "أسماء محفوظ " ابنة السادسة والعشرين ربيعاٌ التاريخ، قال لها والداها بكل اعتزاز : " نحن فخورون بك " .
تقول أسماء عن يوم السادس من ابريل بأنه كان اليوم الوحيد الذي توقفت فيه عن البكاء، وذكرت السبب قائلة : " لم أتمكن من البكاء إلا آخر اليوم بعد كل الذي حصل وبعد الضرب والإهانة، لأن البكاء وقت الضرب كان معناه الضعف وبنات مصر و6 أبريل أثبتوا أنهم أرجل من النظام ومن يقولون أنهم رجالته، النظام الذي سرق حلمنا، والبلطجية الذين خطفوا شبابنا، واللصوص الذين سرقوا "موبيلاتنا"، سحل في الشارع وسرقة لأجهزة "الموبايل" وفلوسنا ، وكل هذا لأننا نطالب بحقوقنا " .

جاء قرار أسماء ورفاقها "وائل" و" اسراء" وغيرهم بدعوة الناس إلى التظاهر اثر أحداث تونس التي نجح فيها الشعب في إسقاط نظام باغي متسلط نهب شعبه وسرق ثرواته ... وهذا الأمر بث الأمل في نفس أسماء التي قررت ورفاقها الدعوة إلى التظاهر في 25 يناير ، وقد بدأت دعوتها بتوزيع أوراق الدعوات في الأوساط والأحياء الشعبية ، ولكنها لاحظت بأن هذا الأمر لن يجد نفعا ولن يحقق الأمل المنشود ، لذلك سجلت بالصوت والصورة خطاباً على كاميرا فيديو نشرته على موقع اليوتيوب دعت فيه الناس إلى التظاهر يوم الجمعة ، وقالت بأنها ستقوم بالتظاهر ولو وحدها وأنها ستنزل يوم 25 كفتاة مصرية تدافع عن كرامتها وحقوقها .... وقد استغربت من هذا الكم الهائل من المؤيدين لها حتى أنها قامت بتسجيل 4 فيديوهات قبل موعد الاحتجاج ...

في اليوم الموعود وبعد صلاة الجمعة مباشرة مشت أسماء ورفاقها في احد شوارع القاهرة ، كانوا في البداية قلة، ولكن فجأة بدأ الناس يتوافدون عليهم من كل حدب وصوب، يلتحمون معهم مكملين طريقهم بكل ثقة إلى ميدان التحرير، وكانت أسماء وهي تسير بين الحشود تشعر بالسعادة والفخر وخاصة عندما كانت تصادف أناسا يتعرفون إليها ويقولون لها : " أنت بتاعة الفيديو ؟ احنا نزلنا الشارع علشانك وتأثرنا بكلامك في الفيديو جدا " ... لم تكن أسماء تتوقع هذا الدعم ، وخاصة أن التجارب السابقة، لم تكن مشجعه، ولكنها كانت تعلم بأن هذه المرة هناك أمر ما قد تغير، فما حدث مع الشعب التونسي قد كسر حاجز الخوف لدى الشعب العربي، وبث الأمل بأن كل شيء ممكن مع وجود الإرادة والتصميم والوحدة، لذلك كانت تطمح ورفاقها بأن يتجاوز عدد المتظاهرين العشرة آلاف ، ولكن أن يتجاوز العدد الملايين ، فهذا الأمر لا يقرأ إلا على أن ما يحدث أمر غير عادي، وان ساعة النصر قد آنت ....

إن هذه القراءة لم تكن أسماء الوحيدة التي قرأتها فقد استوعبها أيضاً أسياد النظام وأبواقه ، لذلك قاموا بالالتفاف على أسماء ورفاقها، فقبضوا على البعض منهم وبطشوا بالآخرين، فقتلوا من قتلوا وجرحوا من جرحوا من المتظاهرين، إلا أنهم لم يقدروا أن يكسروا عزيمة هؤلاء الناس المتمسكين بالفرصة الأخيرة . وكان من بين الأبواق المستخدمة الإعلام الرسمي الذي سعى إلى استضافة أسماء في أحد برامجه في محاولة لثنيها هي ورفاقها عن المضي في المسيرة المليونية، ومحاولا التقليل من شأنها وإظهارها بالفتاة الساذجة التي قامت ورفاقها بلعبة صبيانية لم تحسب عواقبها، لذلك كان التركيز في الأسئلة الموجهة إليها على أمور قد تهم كل فتاة في الظروف العادية ، من نوع هل تعرضت للتحرش الجنسي؟ أو لماذا لم تتزوجي بعد؟ ولكن سها عن بال المحاورين أن أسماء و إسراء وغيرهن من فتيات المصر المحجبات وغير المحجبات، قد اثبتن لرواد الحركة النسوية في مصر اللواتي يسعين لإيجاد دور سياسي للمرأة المصرية عبر نظام الكوتا والمشاركة السياسية وما إلى ذلك من شعارات غربية ، أن المشاركة السياسية الفعلية تنبع بحمل هموم الناس وبالنضال والكفاح ، وحمل الشعارات والمصطلحات النابعة من ثقافة الناس وحضارتهم، لا من أجندات عالمية هدفها بالدرجة الأولى السيطرة على كل مرافق وثروات الدول النامية .

إن الخوف على أسماء وأمثالها من الشباب النابض الذي نزل إلى الساحة في 25 كانون الثاني، ليس من النظام السابق الذي آذن بالرحيل، ولكن الخوف من الغدر الداخلي ومحاولات شق الصفوف التي قد تقوم بها جهات مأجورة أو غير مأجورة ، بحسن نية أحيانها و بغيرها أحياناً أخرى، من أجل الالتفاف على مطالب هؤلاء الشباب الذين فعلوا ما لم يفعل آبائهم من قبل ، والقيام ببعض الإصلاحات الوهمية مع تغيير في الوجوه والأسماء فقط ... وإذا حدث ووقع هذا الأمر فعلى الشعب المصري أن ينتظر ثلاثين سنة قادمة حتى ينشأ جيل جديد كجيل أسماء اليوم يتجرأ أن يعود لميدان التحرير من جديد ليعلن بصوت واحد" الشعب يريد إسقاط النظام " .

المتابعون

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Free Web Hosting