فرار طاغية تونس.. دروس وتنبيهات













فرار طاغية تونس.. دروس وتنبيهات



د. مهران ماهر عثمان



بسم الله الرحمن الرحيم

فرار طاغية تونس.. دروس وتنبيهات



الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فقبل سنتين قابلت أحد الإخوة وكان الهمُّ يعلوه، رأيته حزيناً كئيباً، فسألته عن حاله، فأخبرني بأن أخته سافرت إلى زوجها في تونس، فلما هاتفها للاطمئنان على حالها أخبرته بأنهم لا يستطيعون أن يصلُّوا الفجر في وقته إلا على ضوء الشموع! فسألها متعجباً: لماذا؟ فأخبرته بأنَّ من تضيء الأنوارُ بيته في وقت الفجر يقبض عليه؛ لأنه يصلي الفجر في وقته، وهذا دليل على الإرهاب والتطرف.
وحدثني أحد مشايخنا في هذه البلاد قبل أيام بأنَّ صديقاً له كان في تونس، فلما جاء وقت الظهر ذهبوا إلى المسجد للصلاة، ففوجئ بأن المسجد مغلق، ولا يفتح لصلاتي الظهر والعصر إلا عند الثالثة إلا ربعاً، فيرفع النداء للظهر عند الثالثة إلا عشراً، لتقام صلاة الظهر عند الثالثة إلا خمس دقائق، ثم انتهت الصلاة عند الثالثة وعندها أقيمت صلاة العصر، فصلى الناس العصر وعند الثالثة وعشر دقائق أُغلق المسجد.
ومن جميل ما وقفت عليه بالأمس من أخبار: عودة الأذان للظهور مرة أخرى في التلفاز الرسمي التونسي بعدما كان محرماً بثُّ الأذان طوال فترة حكم الرئيس الهارب زين العابدين بن علي. وقامت قناة الرسمية، بقطع النشرة الإخبارية لبث الأذان، وقد اشتُهر عهد الرئيس المخلوع بعدم بث الأذان نهائيًا في التلفاز الرسمي، كما اشتهر بمعاداته للحجاب ومضايقاته لإقامة الصلاة بالمساجد، والصلاة هناك بالبطاقة الممغنطة.
وفي شوال للعام 1427هـ عندما عاود المناوئون للإسلام حربهم على الحجاب في وسائل الإعلام، وكثر فيها من يقول بأن الحجاب عادة وليس بعبادة، وكانوا يذكرون من التعليلات ما يضحك الثكلى. عندما عاودت هذه الدعوات ظهورها تجرأت تونس على ما لم تتجرأ عليه فرنسا رافعة لواء الحرب على الحجاب، ففرنسا منعت الحجاب من الجامعات ودور التعليم، أما تونس فمنعته من الشارع العام، ووصل الأمر بالحكومة التونسية إلى مداهمة مسجد من المساجد بعد صلاة الجمعة حيث احتجزوا المحجبات، ورفضوا إطلاق سراحهن إلا بعد تعهُّدهن بعدم لبسه.
لقد سمع العالم كلُّه بفرار طاغية من الطغاة الظالمين، أعني حاكم تونس السابق –عامله الله بعدله- وقد رأيت أنه لابد من وقفات مع هذا الحدث..

الوقفة الأولى:

رسالة إلى الحكام الظالمين، والطغاة الجاثمين على صدور شعوبهم }وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ{ [البقرة/270].
فطاغية تونس كان جاثماً على صدر شعبه ثلاثاً وعشرين سنة، ثم كان الهوان والإذلال من الله، ما أغنت عنه أجهزة أمنه ولا جيشه ولا مؤسسات جنده من الله شيئاً. فمهما طال عبث الطغاة فلابد أن تنالهم عقوبة الله. ثبت في صحيح البخاري عن أبي موسى t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» قال ثم قرأ: }وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ{ [هود/102].
فكم من حاكمٍ تجبر وطغى وأبى وعتا وبغى، فلما أخذه الله جعله عبرة للناس، فكان عاقبة أمره خسراً. ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، وأخزى وأنكى، قال تعالى: }وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ{ [إبراهيم/42]. قال ابن تيمية رحمه الله: "ولهذا يُروى: إن الله لينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة"([1]).
والظالم لا نصير له، قال تعالى: }وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ{ [البقرة/270]، وقال: }وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ{ [الحج/71] ما لهم نصير يمنع عنهم عذاب الله. وهل أدل على هذا مما حدث بتونس؟!
ذكر ابن كثير في تاريخه: أن وزير الرشيد يحيى البُرْمكي قال له بعض بنيه وهم في السجن والقيود: يا أبت أبعد الأمر والنهي والنعمة، صرنا إلى هذه الحال؟ فقال يا بني لعلَّها دعوةُ مظلوم سرت بليل"([2]).
والظالم ينال عقابه في الدنيا قبل الآخرة: فعن أَبِي بَكْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ الله تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» رواه أبو داود والترمذي.
مرَّ رجلٌ برجلٍ قد صلبه الحجاج، فقال: يا رب إن حِلمك على الظالمين قد أضرَّ بالمظلومين، فنام تلك الليلة، فرأى في منامه أن القيامة قد قامت، وكأنه قد دخل الجنة، فرأى ذلك المصلوب في أعلى عليين، وإذا منادٍ ينادي، حلمي على الظالمين أحلَّ المظلومين في أعلى عليين.
وثبت عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ لَهُ: أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلَّا قَضَيْتَنِي. فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: وَيْحَكَ تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ؟ قَالَ: إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَلَّا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ»! ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا: «إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ». فَقَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: فَأَقْرَضَتْهُ، فَقَضَى الْأَعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ، فَقَالَ: أَوْفَيْتَ، أَوْفَى اللهُ لَكَ. فَقَالَ: «أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ، إِنَّهُ لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ» رواه ابن ماجة. أي: من غير أن يصيبه أذى. فالأمة التي يأخذ فيها الضعيف حقه بعد عناء وتعب دعا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ظنك بأمة تمنع الضعيفَ حقه!؟

الوقفة الثانية:

لا نُقِرُّ أن يَقتل الإنسان نفسه، ولكن أسأل الله تعالى أن يتغمَّد هذا الشاب الذي أحرق نفسه وتسبب في هذه الثورة المباركة بواسع رحمته. وليس غريباً أن أدعو له وقد قتل نفسه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا قبلي لرجل قتل نفسه في صحيح مسلم، وإني لأخشى أن تكون هذه المعصية سنة متبعة، وقد تكررت إلى هذه اللحظة([3]) ثلاث مرات، منها محاولة الجزائر.

الوقفة الثالثة:

السعيد من وعظ بغيره والشقي من اتعظ به غيره.
فهذه رسالة لكل طاغية أن يصالح شعبه، وقبل ذلك أن يصالح ربه، فيقمَ دينه، ويحكم شرعه.

الوقفة الرابعة:

من يغالب الله يغلب. ومن يقوى على محاربة الله ودينه؟!
ينبغي أن يعي كل طاغية أن الله أهلك مِن قبله من هو أشدُّ قوة وأعظم بأساً.
قال تعالى: }أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ{ [غافر/21]، وقال: }أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{ [غافر/82].
قال ابن كثير رحمه الله: "أو لم يسر هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد }فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ{ أي: من الأمم المكذبة بالأنبياء، ما حلَّ بهم من العذاب والنكال مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة }وَآثَارًا فِي الأرْضِ{ أي: أثروا في الأرض من البنايات والمعالم والديارات، ما لا يَقْدِر عليه هؤلاء، كما قال: }وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ{ [الاحقاف/26]، وقال }وَأَثَارُوا الأرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا{ [الروم/9] أي: ومع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد، أخذهم الله بذنوبهم، وهي كفرهم برسلهم، }وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ{ أي: وما دفع عنهم عذاب الله أحد، ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم واق"([4]).

الوقفة الخامسة:

الخروج على الحاكم واجب إذا منع من إقامة الصلاة وكان حرباً على دين الله. هذا يجب إعداد العدة للخروج عليه والإطاحة به. قال صلى الله عليه وسلم: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: «لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» رواه مسلم.
أما إذا حارب الحاكم الله ورسوله ومنع من الصلاة وإقامة دين الله وارتد عن دينه فلا خلاف بين العلماء في وجوب قتاله والخروج عليه.

الوقفة السادسة:

من أعظم أسباب الصبر على الفقر وشظف العيش أن يعيشه الحاكم واقعاً مع رعيته، وأن يشعر بمعاناتهم، وأن يكون حاله كحالهم، أما إذا كان الشعب في ضيق وهو يرى من يتمتع من رأسه حتى أخْمَص قدميه من المسؤولين فأنى له أن يصبر! عجيب أن يكون المرء حاكماً ولا يفهم عن معاناة شعبه شيئاً! عجيب أن يقول طاغية تونس في خطابه الثالث: (الآن فهمتكم)!! وماذا قبل الآن؟ ليتك ثم ليتك ما فهمت! عجيب أن يقول لهم في خطابه الثاني: (إنه سيتم دعمكم بخمسة ملايين من الدولارات)! وإذا كان هذا المال موجوداً فلماذا حبسته عن شعبك في أول أمرك؟!
في سنن الترمذي، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة رضي الله عنهما قال: "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين".
لقد أكل الصحابة ورق الشجر، ولكنهم لم يضجروا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عاش واقعهم. هذه من أكبر العوامل التي تحمل على الصبر على ضيق الحال. فإذا أرشد مسؤول إلى التقشف عليه أن يبدأ بنفسه ليسمع قوله.

الوقفة السابعة:

كم وددت ألا يجد الطاغية من يؤويه لتسمر طائرته في التحليق، فيكون الحرق مصيرها، حتى يذوق النار التي تسبب في إضرامها في جسد ذلك الشاب الذي أحاط به الكرب من كل مكان وضُيِّق عليه في أمر عيشه، وددت أن تحرق كما حرَّق قلوب شعبه.

الوقفة الثامنة:

لقد شعر الجميع هذه الأيام بأهمية الأمن في حياتنا. ويكفي لبيان ذلك قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بحذافيرها» رواه الترمذي. أسأل الله أن يحفظ لهذه البلاد ولسائر بلاد المسلمين أمنها.

الوقفة التاسعة:

إني لأهنئ إخواننا في تونس تهنئة حارة نابعةً من أعماق أعماق قلبي، وأسأل الله أن تنتهي هذه الثورة المباركة على خير، وأن يكون حالهم بعدها أفضل بكثير من حالهم قبلها، وأن يعلي في تونس كلمته، وأن يمكن فيها لمن يقيم شرعه ويحكم بكتابه.

الوقفة العاشرة:

لا ينبغي أن يكتفي الناس بفرار الطاغية، لابد من بذل كل الأسباب حتى يقدم لمحاكمة عادلة تستوعب كل تجاوزاته وخياناته في حق شعبه. ولابد أن يكونوا حريصين على ألا يعود إلى كرسيِّ الحكم ذيلٌ من أذياله ليتحقق قطعُ دابره.
أسأل الله أن يلحق بهذا الطاغية بقية إخوانه من الطغاة، وما أكثرهم! ففي كل وادٍ بنو سعد.
اللهم ولِّ على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها خيارهم، ولا تول عليهم شرارهم، اللهم أبرم للمسلمين في كل مكان أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم إنا ندعوك بدعوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ولي من أمرنا شيئاً فرفق بنا فارفق به، ومن ولي من أمرنا شيئاً فشق علينا اللهم فاشقق عليه.
رب صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


------------------------------
[1] / مجموع الفتاوى (28/63).
[2] / البداية والنهاية (10/222).
[3] / العاشرة ليلاً، يوم الأحد 12 صفر 1432هـ.
[4] / تفسير ابن كثير (7/138).
هنا الرابط

سقط طاغوت تونس.. فهل يعتبر كل طاغوت؟!













سقط طاغوت تونس.. فهل يعتبر كل طاغوت؟!



إبراهيم بن محمد الحقيل



بسم الله الرحمن الرحيم



كان الطاغية الهالك بورقيبة يلقب بالرئيس الأبدي بعد أن تمت صناعته في فرنسا برعاية الدول الغربية، وأعادته إلى تونس بطلا مناضلا ليلغي حكم محمد الأمين باي الملكي، ويعلن الجمهورية ويكون أول رئيس لها عام 1956م ويقدم الثمن لفرنسا والغربيين بالثورة على الشريعة الإسلامية، عبر مجلة الأحوال الشخصية التي ألغى فيها جملة من الأحكام الشرعية المحكمة كان أشهرها تعدد الزوجات، وتجريم من فعل ذلك، وإباحة البغاء وسن قانون له..

وفي ثورة الخبز حين رفعت الحكومة سعره عام 1984م استدعى بورقيبة سفير تونس في وارسو بولنداعلي زين العابدين، وعينه مدير عام الأمن الوطني، ثم وزيرا للداخلية، فرئيسا للوزراء في 1987م؛ لينقلب عليه بعد شهر وينتزع الحكم منه.

وأذكر آنذاك وفي أول إجراء مخادع للطاغية بن علي بعد توليه الرئاسة أنه صار يبث أذان الحرم من مكة في التلفزة التونسية، فاستبشر به من لا يعرفه كونه كان بديلا عن الطاغية بورقيبة، وكنا وقتها طلابا في الكلية، فبادرنا شيخ جليل قد عركته الحياة، وخبر أساليب الطغاة، قائلا: لا تغتروا به، فهو صناعة فرنسية، ولن يكون إلا كسلفه إن لم يكن أشد منه.. فكان كما قال شيخنا جزاه الله تعالى عنا خيرا..

ومضى طاغوت تونس في طغيانه واستبداده ثلاثا وعشرين سنة يحارب الإسلام، ويكرس الاستبداد، ويخنق شعبه، إلى ما قبل خمسة أسابيع؛ إذ وقعت حادثة محمد البوعزيزي الذي أحرق نفسه يوم الجمعة 11محرم؛ تعبيراً عن غضبه على بطالته ومصادرة العربة التي يبيع عليها شيئا من الخضار ليسد جوعه وجوع أسرته، ومن ثم قيام شرطية تونسية بصفعه أمام الملأ، ولم يجد أحدا ينصفه، وتوفي يوم الثلاثاء 29 محرم نتيجة الحروق, فاندلعت في اليوم الذي يليه المظاهرات التي ما لبثت أن عمت أرجاء تونس لتصبح ثورة عارمة، ونزل الجيش بأوامر الطاغية ليقمع الناس ويسفك دماءهم، ولكن الجيش خذله إذ قلب مهمته إلى حماية المتظاهرين من أجهزة الأمن الداخلي والأمن الرئاسي، ليتفاقم الأمر ويهرب الطاغية الجبان بن علي خارج البلاد أمس الجمعة، ويتولى الوزير الأول محمد الغنوشي رئاسة الجمهورية بصفة مؤقتة، وأعلنت حالة الطوارئ مع حظر التجول التي تمنع أي تجمع يزيد على ثلاثة أشخاص, مع فرض حظر التجول بين الخامسة مساءً والسابعة صباحا، إلى ساعة كتابة هذا المقال..

وفي هذا الحدث من العبر والعظات الشيء الكثير:

فمن عبر هذا الحدث: أن نهايات الظلمة الطغاة تتكرر على الناس كل حين لأخذ العظة والعبرة؛ فإن في كوامن النفس البشرية من شهوة الظلم والطغيان والبغي ما فيها لولا أن الدين والأخلاق والتربية تهذبها، وتردها إلى رشدها، وتقبح لها الظلم والطغيان..
وقد رأى الناس عبر الشاشات الطاغية التونسي وهو يتحدث ذليلا مرتبكا، يستجدي شعبه طالباً إطفاء ثورته، ويكرر قوله: أنا فهمتكم، ولا رئاسة مدى الحياة، مدعيا أن الحقائق لا تنقل إليه، واعدا بفجر جديد تنطلق فيه حرية التعبير...ألخ..فيا لله العظيم ما أجبن الطغاة المتكبرين!!
تذكرت وأنا أستمع إلى خطابه المشهد القصصي القرآني لنهاية فرعون الذي جاءته النذر من بين يديه ومن خلفه فلم يأبه بها [حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ] {يونس:90}
ثلاث وعشرون سنة لم يفهم هذا الطاغية شعبه، ولما ضاق الخناق على رقبته ادعى الآن أنه فهمهم..وليس إلا كما قال الله تعالى [بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ] {الأنعام:28}
وينبغي ألا يعزب عن بال المؤمن المعتبر أن الطغيان والظلم إن كان صفة بشرية ملازمة للإنسان [إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا] {الأحزاب:72} فإنه لا يظهر عليها إلا حال القدرة على الظلم بامتلاك السلطة والنفوذ.. وكل بحسبه؛ فطغيان الرئيس أظهر من طغيان الوزير وأكثر أثرا، وطغيان الوزير أظهر من طغيان المدير..وهكذا..
وليس الطغيان والظلم خاصا بأصحاب الولايات العظمى بل قد يظلم الضعيف من هو أضعف منه، ومن هم تحت ولايته من زوج وولد ونحوهم، ويطغى عليهم بسلطته، فليفتش كل واحد عن قلبه، وليتفحصه جيدا ليطفئ جذوة الظلم والطغيان فيه بماء العبودية لله تعالى، والخضوع له، واتباع شريعته التي أمرت بالعدل والإحسان، ونهت عن الظلم والطغيان.. وكثيرا ما يكون الإنسان غافلا عن ذلك، فيرى مصارع الظالمين، ويسمع عن نهايات الطغاة فيحمد الله تعالى الذي عافاه مما ابتلاهم به، وهو فيه ما فيهم من الظلم والطغيان لكن لم يُمكن له، فوقع في ظلم على قدر نفوذه وقدرته..

ومن عبر هذا الحدث:
أنه مهما بلغت قوة الطاغية وقبضته الحديدية على شعبه، فإن سقوطه إذا أراد الله تعالى سيكون بحيث لا يتوقع، وتلك سنة الله تعالى في الظالمين أن يذلهم على أيدي أقرب الناس إليهم، ويسقطهم بأهون الأسباب عليهم، [إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ] {يوسف:100} [فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا] {الحشر:2}.
والطاغية بورقيبة قد قرب بن علي وأتى به من وارسو ليطيح به، وطاغية رومانيا شاوشيسكو كان يتلاعب بالشعب الروماني هو وزوجته وولده، ويعدونه ملكا لهم، وقد أحكم قبضته على الشعب الروماني بحيث لا يصدق أحد سقوطه، ونظمت مخابراته مظاهرة مضادة لمظاهرة احتجاجية على قتل المخابرات لمجموعة من السجناء، لكن الحشود الهائلة لما تجمعت في الساحة العامة في بوخارست فتجرأ بعض الناس وهتف بسقوط الدكتاتور شاوشيسكو وتبعه الناس فانقلبت المظاهرة المؤيدة للطاغية إلى معارضة له حتى أسقطته، واختطفه العسكر وزوجته من قصره بطائرة عمودية وحاكموه وأعدموه، وكانت زوجته التي ألفت الطغيان معه تقول له: كيف تسمح لهؤلاء الضباط الوقحين أن يتكلموا معك بهذه الطريقة؟! وهي لا تدري ما ينتظرهما فأجابها: من الجميل أن نموت معاً... وقد طلب المحاكمون له ثلاثة ليتبرعوا بإعدامه وزوجته فتبرع ثلاث مئة فأعدموههما.

ومن عبر هذا الحدث:
أن حلاوة السلطة والجاه والمال والأمر والنهي تتبدد عند أول دركات الخوف، وتنتهي فور علمه بفقدانه لسلطانه، وتستحيل إلى مرارة وألم يتمنى صاحبها إذ ذاك أنه لم يل من أمر الناس شيئا.. بل يتمنى الموت ولا يجده، فما أشد الذل والهوان بعد العز والجبروت.. ولا بد لكل صاحب ولاية أن يستحضر أثناء استمتاعه بحلاوة تسلم ولايته مرارة انتزاعها منه؛ لئلا يبطر على الناس فيظلمهم ويمارس طغيانه عليهم.. وأنى للجهلة والغافلين تذكر ذلك؟ّ! وأنى لهم تذكر آيات الله تعالى المرهبة من جميع أنواع الظلم بما فيه رفض الشريعة الربانية وتقديم الأهواء البشرية عليها [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ] {السجدة:22} وهذا التذكير الرباني نسمعه في كل جمعة تقريبا.
ويتبرأ من الطاغوت كل من له به صلة من قرابة وصداقة ومصاهرة وغيرها؛ لأنهم يصبحون هدفا للجماهير الهادرة الغاضبة لصلتهم بالطاغية المستبد، فهم شركاء في الغرم كما كانوا من قبل شركاء في الغنم.. وكم تعجبت وأنا أسمع تصريحات جامعة الدول العربية، والدول الإقليمية الكبرى وهي تعلن بصراحة: احترام خيار الشعب التونسي.. فلم لم تحترم الجامعة والدول الإقليمية رغبة الشعب التونسي إلا لما أسقط الطاغية وهو الذي أمضى ربع قرن من إرهاب هذا الشعب المسكين، وكان الطاغوت الهارب محل حفاوة وتكريم وتبجيل عندهم؟! ولم لا ينتبهون لشعوبهم كيلا تغضب عليهم غضبة الشعب التونسي فتقتلعهم من عروشهم؟!!
فإذا كان هذا الذل والهوان يحيط بصاحب الولاية في الدنيا حال انتزاعها منه ببراءة الناس كلهم منه فكيف بذل الآخرة وخوفها وحسابها وشدة العقاب فيها، وكيف به وهو يرى صفوف المظلومين وازدحامهم يطالبون بالقصاص ممن ظلموهم من جبابرة الأرض وسلاطينهم، فيا لله العظيم.. ما أرهبه من موقف من استحضره فلن يفتر لسانه سائلا ربه خمول الذكر، ووضاعة نفسه عن الجاه في الدنيا [وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ] {الشُّورى:45}. ولولا ضعف الإيمان وكثرة النسيان لما ولي مؤمن من أمر الناس شيئا خوفا من التبعات.

ومن عبر هذا الحدث:
أن الحبل الغربي الممدود للطغاة والمستبدين يقطع عنهم عند حاجة الطغاة إليه؛ لأن الغربيين يستعملون هؤلاء الطغاة مناديل لمسح أوساخهم، فإذا سقط الطاغية تخلوا عنه وهو في أمس الحاجة إليهم، وقد كان شاه إيران عبد أمريكا وبريطانيا، وراعي لبراليتهم ومسوقها في منطقة الشرق الإسلامي، وشرطيهم فيها، وعينهم على حكوماتها، وأمينهم على مصالحهم فيها، ولما انتهت صلاحيته، أخرجوا الخميني بعد تفاهمهم معه من فرنسا ليقود الثورة ضد عميلهم الشاه، الذي ظل يستجدي دولة تؤويه ليموت فيها، فرفضته الدول الكبرى لتستقبله مصر فيموت فيها، ووقتها خطب الشيخ كشك رحمه الله تعالى خطبة بليغة مؤثرة جدا أجزم أنها أبلغ خطبة له، استمعت إليها عشر مرات أو أكثر فما مللتها.
وطاغية تونس لم تستقبله فرنسا التي كان ينفذ أجندتها الفرنكفونية إلى آخر لحظة من حكمه إذ رفضته ولم تستقبله، ومنت عليه السعودية بشروطها، فما أهون العملاء الطغاة على سادتهم الغربيين يلفظونهم ويتخلون عنهم في أشد الظروف قسوة!!

ومن عبر هذا الحدث: أنه لا تأمين للمستقبل إلا في التعامل مع الله تعالى، وأي تأمين للنفس أو الولد بغير الله تعالى فمصيره الخذلان والضياع [فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] {يوسف:64} (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فأكثر الظلمة الطغاة حين ينهبون ثروات شعوبهم ويستبدون بالأمر دونهم، ويقهرونهم في معيشتهم، ويتخذونهم سخرة لهم ولذويهم فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لعلمهم أنه لا دوام لهم في السلطة التي حتما ستنتقل إلى غيرهم، فعند تقلدهم لمقاليدها تكون عين الواحد منهم اليمنى على خزائن الدولة وثرواتها لنهب أكبر قدر منها، والعين اليسرى على التجار الناجحين لإدخال ذوي الرئيس شركاء لهم في أرزاقهم بالقوة.. هذا غير الجباية المستمرة من أرزاق الناس وأقواتهم عبر المكوس، وكل ذلك لتأمين مستقبل أهله وولده.. ولكن الطغاة يجهلون أنه لا أمان للعبد إذا أراد الله تعالى خوفه، ولا غنى له إن أراد فقره.. وصدام حسين قتل أولاده أمامه، وشاهد مقتلهم وهو مختبئ في حفرة لا يملك لهم شيئا، وشردت بناته، وصودرت أمواله.. وقبله شاه إيران الذي جمع خمسة وثلاثين مليار دولار، سقطت كلها بسقوطه وتحفظت البنوك الدولية عليها بعد انتهاء حكمه، وقبل أيام انتحر ابنه علي في أمريكا.
وفي المقابل لما حضرت الوفاة الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله وقد كان شديد التوقي في بيت المال، قيل له: لو أوصيت لأحد بولدك فلا مال لهم، فقال رحمه الله تعالى: وصيي وولي فيهم الله الذي نزل الكتاب بالحق.. وهو يتولى الصالحين، وورث كل واحد منهم من أبيه وهم أحد عشر ابنا تسعة عشر درهما فقط، وتتابع الرواة والمؤرخون يرقبون حالهم بعد مقولة أبيهم فما افتقر منهم أحد، ومنهم من حمل على مئة فرس في سبيل الله تعالى من الغنى والجدة..
إن على من ولي ولاية صغيرة كانت أم كبيرة أن يتقي الله تعالى في أموال المسلمين، فلا يبددها على ذويه، ولا يتصرف في ولايته كأنها ملكه وملك ولده، ومن أقلقه مستقبل أولاده من بعده فليعلم أنه لا أمان لهم إلا بالله تعالى، وأمان الله تعالى لا ينال بمعصيته، وبسلب بيت المال ومقدرات الشعوب.. فهاهم أولاء ملوك العالم المخلوعون والمقتولون أين ثرواتهم الطائلة؟ّ! وما خلفوه لزوجاتهم وأولادهم؟! لقد ذهب مع ذهابهم، وسلط عليه من هم أقوى منهم فحجروا عليه أو نهبوه..

ومن عبر هذا الحدث:
أنه لا يجمع على الشعوب بين الكفر والفقر، وإلا ثارت على زعمائها، فالشعوب قد ترضى بسلب دينها إبقاء لدنياها، أو بسلب دنياها مع بقاء دينها، أما أن يسلب الاثنان فمحال أن تسكت.. وأوربا في ثورات الحرية حين سلبت من الشعوب الغربية دينها النصراني المحرف أغنتها من جهة الدنيا فرضيت واستكانت، ولو لم تغنها لثارت، فلا يحتمل الإنسان ضياع دينه ودنياه دفعة واحدة..
وأكثر الحكومات العربية تريد سلب شعوبها دنياها بنهب الثروات، وتسهيل الامتيازات للشركات الغربية التي تمارس السطو الكبير على ثروات العالم العربي والإسلامي ومقدرات الشعوب فيها عن طريق وكلائها وعملائها حتى أفقروها، وطاردوا المساكين في أقواتهم ودوائهم وحليب أطفالهم.. وفي الوقت ذاته يريدون سلب دينهم عبر علميات التغريب والمسخ الليبرالية التي تنشط في العالم الإسلامي بشكل قوي جدا لمكافحة المد الإسلامي السلفي الذي ظهرت شعائره على السطح الأوربي بانتشار شعيرة ستر المرأة وجهها، وشعيرة إعفاء اللحى.
فالشعوب المستضامة قد تصبر على فقرها وعوزها استبقاء لدينها، وترى أنها إن فقدت الراحة في الدنيا فهي موعودة بالجنة في الآخرة، وأما إن ضيق عليها في دينها مع التضييق عليها في دنياها فماذا أبقى الطغاة لها؟! ولن تكون النتيجة إلا ثورة عارمة لا تبقي ولا تذر، كما وقع في تونس..
ولذا فإن التيارات الليبرالية حين تسارع في فرض المشروعات التغريبية، وتفرضها بالقرار السياسي، والاستبداد البوليسي في بلاد المسلمين فهي تسعى لإثارة الشعوب وتحريضها على الثورة على حكوماتها ونشر الفوضى فيها، وتعجل بسقوطها قصدت ذلك أم لم تقصده، وهاهم أولاء دعاة الفرنكفونية الفرنسيين المغاربة الذين كانوا يطيرون بطائراتهم الخاصة للإشراف على مصالح فرنسا في المغرب العربي، ويوصون الحكومات المغاربية باستئصال الدين الإسلامي من نفوس أبنائه.. هاهم أولاء يتمتعون بالعيش الرغيد في فرنسا، ولم ينفعوا الرئيس التونسي لما سقط ولا حتى باللجوء السياسي في بلدهم التي يخدمونها، وتركوا الشعب التونسي يواجه مصيرا مظلما لا يدري متى يخرج من نفق هذه الأزمة المفاجئة.

ومن عبر هذا الحدث:
أن الطغاة المستبدين وأعوانهم لا يكفيهم ما أحدثوه من خراب في البلاد، وظلم للعباد في فترة حكمهم التي قد تمتد إلى عقود كثيرة، إذ يعمدون في الرمق الأخير لحكمهم إلى سياسة الأرض المحروقة حال مغادرتهم للبلاد، وينشرون الفوضى في أرجائها، من باب مبدأ: علي وعلى أعدائي، وتكون الشعوب ضحية لهذه السياسة القذرة، وليس بعيدا عن الذاكرة ما فعله جنرالات فرنسا في الجزائر حينما كانوا يشكلون مليشيات وعصابات متخفية تقتل الناس باسم الجماعات المسلحة الإسلامية للانتقام ممن صوتوا لجبهة الإنقاذ من جهة؛ ولتشويه صورة الإسلام والمنتسبين له من جهة أخرى، حتى ظهرت شهادات عدد من الضباط والجنود الجزائريين الذين فضحوا جنرالات فرنسا وما يمارسونه من سياسة الأرض المحروقة كشهادة حبيب سويدية في كتابه: الحرب القذرة.. وفي أحداث تونس ذكر النقيب أحمد عبد المولى أن خلايا الأمن الرئاسي تحدث فوضى ونهب واعتداء في شوارع تونس.. وذلك بعد هروب الرئيس بن علي..
ومثل هذه التصرفات الحقيرة من أزلام الرئيس هي إصرار على التخريب والتدمير، فإما أن تكون البلد في قبضتنا البوليسية الاستبدادية أو ندمرها على أهلها..
ولأن ما وقع في تونس قد يتكرر في بلد إسلامي آخر فإن الواجب على الناس الصدور عن العلماء والعقلاء في حال حدوث مثل ذلك؛ لئلا تدب الفوضى ويستحر القتل في الناس، كما يجب على العلماء في البلاد الإسلامية دوام التواصل مع أهل الرأي والفهم السياسي من المخلصين سواء كانوا أكاديميين أم ذوي أحزاب أم مستقلين؛ فمن الملاحظ أن ثمة قطيعة أو فتورا في العلاقات بين أصحاب التخصصات السياسية والاقتصادية والإعلامية وغيرها وبين العلماء والدعاة في أكثر الدول الإسلامية إن لم يكن كلها، فإذا ما وقعت أزمة سياسية كالتي تحدث في تونس الآن لم يوجد من يملأ الفراغ السياسي، وأضحى الناس فوضى لا سراة لهم، وربما اختطف الدولة وقطف ثمار الثورة من هم مثل من ثار الناس عليه أو أسوأ منه، فيعود الناس كما كانوا من قبل..

ومن عبر هذا الحدث:
أن التاريخ وإن كان لا يكتبه إلا الأقوياء المنتصرون فإن للضعفاء المقهورين نصيبا منه يفلت من قبضة المستبدين، وأظن أن محمد بوعزيزي الذي أشعل هذه الثورة التونسية بانتحاره حرقا سيدخل التاريخ من أوسع أبوابه، وسيرابط الكتاب والمؤرخون الغربيون والإعلاميون على أبواب أسرته، وسيتصلون بكل معارفه، وستؤلف عنه الكتب والدراسات والروايات؛ لكونه رمزا للنضال الوطني حين قدم حياته احتجاجا على مظلمة أصابته..
ومع ما في هذه التضحية الكبيرة من مثل عليا تجنح النفس البشرية إليها، وتعجب بأصحابها بغض النظر عن دينهم وجنسهم ولغتهم؛ لأنه وقوف في وجه الظلم والظالمين، كما أعجبوا من قبل بالثائر اليساري تشي جيفارا، وبنضال الأفريقي الأمريكي مارتن لوثر كنج ضد العنصرية، وبنضال مانديلا في جنوب إفريقية، وبثبات صدام أمام الإمريكان والرافضة حتى أعدم، وبمناكفة شافيز لأمريكا وعدم خضوعه لها، وأمثالهم كثير في التاريخ القديم والحديث..
مع ما في ذلك كله فإن لأهل السنة والجماعة ميزانا شرعيا يزنون به الوسائل والمقاصد؛ فالاعتراض على الظلم والإنكار على الظالم عمل نبيل جليل لا شك فيه حتى كان أفضل الجهاد في الإسلام كلمة حق عند سلطان جائر، ومن سادة الشهداء رجل قام إلى إمام فأمره ونهاه فقتله.. لكن لا يجوز ذلك إلا بالوسائل المأذون بها شرعا، وقتل الإنسان نفسه وبالنار أيضاً يتضمن مخالفتين، هما الانتحار وهو كبيرة متوعد صاحبها بالعذاب، والإحراق بالنار منهي عن جعله طريقة للقتل؛ لأنه لا يجوز التعذيب بعذاب الله تعالى.. ومهما كان المقصد النبيل لمحمد بوعزيزي في رفض الظلم فإنه لا يسوغ ما عمل بنفسه، وحكمه الشرعي أنه تحت المشيئة كما هو مذهب أهل السنة، إن شاء الله تعالى غفر له، وإن شاء عذبه، لكنه لا يخرج بسبب كبيرته من الإيمان، وقد قرأت لكتاب وسمعت لإعلاميين تناولوا هذا الحدث فقفزوا على النصوص الشرعية وشهدوا له بالشهادة، وأفاضوا على صنيعه عبارات الثناء والتبجيل بلا تحفظ ولا استثناء مما قد يقدح في أذهان كثير من العامة أن ما عمله مشروع، وواجب العلماء والدعاة التنبيه على ذلك، وعدم محاباة أحد في دين الله تعالى..

ومن عبر هذا الحدث:
أن الطغاة والمستبدين مهما سخروا من وسائل إعلامية لتلميع صورتهم أمام الناس فإن الله تعالى يفضحهم، ويكشف للناس خبيئتهم، ويهتك على الملأ سترهم.. وقد كان الاتحاد السوفيتي زمن التسويق الاشتراكي في حكم لينين وستالين ينتج ربع الإنتاج العالمي الثقافي كتبا وصحفا ومجلات وبكافة اللغات، حتى سوق للاشتراكية وغزا بها أكثر الدول، واقتحم بها الشعوب.. ثم ما لبث أن فضح شر فضيحة وسقطت الاشتراكية في مهدها، وتتابع أذنابها بالسقوط بعدها.. وكلما قرأت لمشايخ من الجمهوريات الإسلامية أو من الأزهر أو من الشام في الكتب التي نشرت أيام المد الاشتراكي أعجب كيف أن هذه القوة المستبدة استطاعت أن تسخرهم أبواقا لها.. فزالت هذه القوة، وماتت أبواقها الشرعية، وآثارهم لا تزال شاهدة عليهم، فاللهم ثبتنا على الحق.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم..
وفي نظام تونس القمعي المستبد..كم زكاه من شيوخ النظام وهذا مفهوم -وإن لم يكونوا معذورين- لأنهم يخافون سطوة هذا النظام.. لكن من غير المفهوم أن يتبرع داعية ليس من بلادهم وفي غنى عنهم فيعطي النظام تزكية لا يحلم بها نظام أقل منه استبدادا وأكثر اعتدالا، ويطعن في المناضلين الإسلاميين، والثمن رحلة سياحية لتونس بضعة أيام، فما أرخص المبادئ والمواقف حين تباع بهذه الأثمان!!
ولا أجد تفسيراً لذلك إلا أنه خذلان من الله تعالى، وإلا فكل المنظمات الحقوقية الدولية والعربية مجمعة على أن النظام التونسي في عهد الطاغية بن علي أشد أنظمة العالم قمعا واستبدادا في وقته..
ويأتي هذا الزلزال الشعبي ليكذب هذه التزكية الرخيصة، فهل يظفر الشعب التونسي بكلمة اعتذار من هذا الداعية..أتمنى ذلك.. وإن كنت أشك فيه.. بل لا أستبعد أن يقلب البوصلة باتجاه الشعب الثائر تمجيدا له ومدحا فيه وهو بالأمس يزكي قامعه.. ولن يعد ذلك تناقضا؛ لأننا في زمن الانقلابات وتقلبات القلوب.. وتبديل المواقف بحسب ما تمليه المصالح الشخصية..وكل ذلك يجري تحت لافتات الحرية والشفافية والأحلام المثالية ومدن أفلاطون الفاضلة..
فاللهم ثبتنا والمسلمين، واحفظ دماء إخواننا في تونس وأموالهم وأعراضهم وهيئ لهم من أمرهم رشداً، والحمد لله أولا وآخرا..

السبت 11/2/1432


----------------------------
في 3 يناير 1984 مظاهرات وحوادث مؤلمة عرفت بثورة الخبز التي سقط خلالها الضحايا بالمئات. وشهدت صراعات دموية حادة بين المواطنين ورجال الأمن بسبب زيادة في سعر الخبز واستخدمت فيها القوة ضد المتظاهرين ولم تهدأ تلك الثورة إلا بعد تراجع الحكومة عن الزيادة بعد يوم واحد فقط من إقرارها، واستدعي زين العابدين بن علي من وارسو ليشغل منصب مدير عام الأمن الوطني.
في 1 أكتوبر 1985 شن الطيران الإسرائيلي غارة جوية على مقر القيادة الفلسطينية في الضاحية الجنوبية للعاصمة التونسية وهي الغارة التي أدانها مجلس الأمن في 14 أكتوبر من ذات العام.
في 7 نوفمبر 1987 وأمام الحالة الصحية المتردية للرئيس بورقيبة، قام الوزير الأول زين العابدين بن علي بتغييره وأعلن نفسه رئيسا جديدا للجمهورية فيما عرف باسم تحول السابع من نوفمبر.

هنا الرابط

على لسان تونس


على لسان تونس


ملكتَ صدري فصارا *** صدري أوارا.. ونارا

عبثْتَ في صرح مجدي *** نشرْتَ فيه الدمارا

تجثو عليَّ الليالي *** وتستبيحُ.. نهارا

تشدُّني من خناقي *** إلى اغتصابي مرارا

مَنَعْتَني من حجابي *** حين اتخذْتَ قرارا

بأن أصيرَ مُتاعا *** وألبُسَ الذلّ عارا

مقهقها لجراحي *** مستهترا بالغيارى

ويذرفون صغاري *** ويسهرون حيارى

أمّاهُ عودي إلينا *** فقد سئمْنا الحمارا

وكنْتَ فظا غليظا *** وما رحمْتَ الصغارا

سموتَ في قمع شعبي *** حتى بلغْتَ التتارا

لم يبق عضوٌ بجسمي *** إلا أرادَ انتحارا

لم يبق طيرٌ بحقلي *** إلا أرادَ فرارا

لم يبق غصن بسطري*** إلا ويشكو اصفرارا

قد كنتُ خضراء .. لكنْ*** أصبحتُ جمر صحارى

وكان حوضي زلالا*** ألقيتَ فيه الحجارا

وكان وجهي جميلا*** وكان بيتي مزارا

وحين جئت إلينا *** جمالُنا قد توارى

يا أنت ماذا جنينا *** حتى نهون جهارا ؟

ربيب غربٍ أتاني *** مزيّفا مستعارا

يريدني لبنيه *** يريدني للسكارى

يريد حفلة رقصٍ *** يريد هنداً .. تمارا

واليوم فرّ بعيدا *** ولن يعود الديارا


بحر المجتث
صبيحة السبت
15/1/ 2011

hedha chi3r l3bderahmen al3CHMAWI


hedha chi3r l3bderahmen al3CHMAWI
قل لي بربك هل وجدت سبيلا *** وهل اتخذت إلى النجاة سبيلا
أوجدتَ قبرك روضةً من جنةٍ *** ووجدت ظلا في ثراه ظليلا ؟
أم كان قبرك من لهيب جهنمٍ *** ورأيت شيئا في التراب مهولا ؟!
ماذا تقول لمنكر ونكيره *** أتقول إنك لم تكن مسـئولا ؟!
ماذا تقول لمن سيحصي كلَّ *** ما قد كان منك كثيرَه وقليلا ؟!
ماذا تقول لصاحب الجبروت *** في يوم يصير به العزيز ذليلا ؟!
أتقول إنك قد نبذت كتابه *** ورضيت قانون الضياع بديلا ؟!
أتقول إنك قد سجنت دُعاته *** وجعلت قيد الصالحين ثقيلا ؟!
ها أنت تخرج من حياتك عاجزا *** وتركت خلفك قصرك المأهولا
قُواتك اضطربت فما رفعت يدا *** تحميك أو أرخت عليك سدولا
ما بال ضباط الحراسة أصبحوا *** خُرسا وأطرقت الرؤوس ذُهولا
قل للذين سمعت قرع نعالهم *** لا تتركوني ها هنا معزولا
واسأل فرنسا ربما مدت يدا *** للقبر أو بعثت لك الأسطولا
وابعث بصرخة خائف متوسل *** فلعل أمريكا تسوق الفيلا
اِصرخ وقل للغرب :إني ها هنا *** في القبر لا أتحمل التأجيلا
قل ما تشاء لمن تشاء فلن تـرى *** أحدا يجيب نـداءك المقتول

ومن المهم ألاَّ يقطف ثمرة هذه الثَّورة الشَّعبية أقوام على غرار بن علي،


ومن المهم ألاَّ يقطف ثمرة هذه الثَّورة الشَّعبية أقوام على غرار بن علي، فقد تكبَّد الشَّعب خسائر كبيرة لطرد بن علي وحزبه الذين لاجذور لهم في الأرض التُّونسية؛ حتى يحكمه مَنْ يحفظ حقوقه، ويعالج همومه، ويعلي قدره، ويرعى مصالحه الدِّينية والدُّنيوية، ويعيد لتونس الجميلة رواءها وبهاءها اللذين اختفيا في جحيم الحكم البائد. ولا أظنُّ الشَّعب التُّونسي العربي المسلم يرضى بحكم يقصي دينه، أويهمل شريعة ربه وسنَّة نبيه، وعسى أن يقود هذه الثَّورة عقلاء البلد وحكماؤها، فلا تهدر الدِّماء أو تعم الفوضى، ولا تعبث أيد ملوثة وعقول مشوشة بحاضر تونس ومستقبلها، ولا بدَّ من تفويت الفرصة على كلِّ متربِّص بالبلاد وأهلها.

ولعل التَّوانسة قد ناموا بهناء حال ورخاء بال ليلة السَّبت، خلافاً لكلِّ ظالم سارق خانق خائن؛ فقد كانت عليه ليلة حالكة السَّواد طويلة السُّهاد؛ خشية مصير مماثل للزَّميل الهارب المخلوع بعد صحوة الشُّعوب على وقع الخطوات التُّونسية العفوية. فاللهم يا ربنا احفظ بلادك وعبادك، وول عليهم خيار خلقك، واجعلهم في أمن سابغ، وهناء كبير، وظل وارف وقرِّب إليهم كلَّ خير تصلح به دنياهم وآخرتهم، وادفع عنهم الشُّرور والأوزار.

رسالة اعتذار للشعب التونسي
















رسالة اعتذار للشعب التونسي

شريف عبد العزيز
أضيفت بتاريخ : 15 - 01 - 2011 نقلا عن : خاص بموقع طريق الإسلام




نسخة للطباعة





أرسل لصديق
القراء: 3520



هذه الرسالة هي حق علي كل الكتّاب والمحللين والمتابعين للشأن التونسي، أن يتوجهوا بالاعتذار للشعب التونسي بأسره، نعم لابد من أن يعتذر كل من مسك قلماً وكتب عن الأحوال التونسية، لأننا ما أنصفنا هذا الشعب العظيم يوماً، وما وفيناه حقه، بل اشتركنا من حيث لا ندري في ذبحه والمزايدة عليه، لابد أن نعتذر لهؤلاء الأحرار الشرفاء الذين ظن الكثيرون وأنا واحد منهم، أنهم قد ماتوا ودفنوا منذ سنوات في مقابر الطغاة.


الشعب التونسي اليوم يثبت ويبرهن لكل من وصفه بالميوعة والانحلال والتفلت، بأنهم رجال ونعم الرجال، وأبطال عز وجودهم في هذا الزمان المليء بالجبناء والأدعياء، ومشاهدهم وهم يستقبلون الرصاص بصدورهم تلوي أعناق المتطاولين عليهم والشاتمين لهم في كل الاتجاهات.


الشعب التونسي اليوم يثبت أنه ما زال حيا أبيا معتزا بدينه وعروبته وهويته، رافضا تيارات التغريب العنيفة التي حاولت زمرة بن علي وعقيلته أن يغرقوا البلاد فيها غرقاً؛ حيث كان لا إسلام يري ولا حق يسمع ولا فضيلة ترفع.


الشعب التونسي خيب توقعات كل من حكم علي المجتمع التونسي بالعلمنة والتهتك، فليس سكان العاصمة الراقية هم سائر الشعب التونسي، وليست قصور علية القوم في الأحياء الراقية؛ حيث السفارات الأجنبية والشركات السياحية، هي بيوت ومساكن سائر الشعب التونسي، وأخطأ كل من ظن أن الطغمة الحاكمة قد وأدت طموحات وآمال التوانسة إلي الأبد، وأن منتهي آمالهم اللذة وفنونها، واللعب واللهو والعبث بأنواعه المختلفة.


الشعب التونسي الذي يسقط كل يوم منه عدة شهداء بنيران رجال الدولة البوليسية أثبت صلابة موقفه وعدالة قضيته، فلم تردعه القوة المفرطة، ولم تحل دون دوي جماهيره الهادرة أرتال الدبابات والمصفحات التي تجوب شوارع المدن التونسية تمطر المتظاهرين والمحتجين بنيران الأسلحة الثقيلة والرشاشات.
الشعب التونسي أثبت أنه علي دارية ووعي كامل بمكائد وألاعيب الطاغية، فلم تخدعه الوعود الكاذبة والخطوات الوهمية والإقالات الاستعراضية لبعض المسئولين، فظل علي انتفاضته وثورته ضد الفساد والطغيان والنهب المنظم والرسمي لثروات البلاد، فالشعب التونسي ليس شعباً مغيباً أو سادراً في غيه كما يظن قطاع كبير من العرب والمسلمين، بل إن الأحداث اليوم تثبت أنه أكثر شعوب العرب حياة وحرارة ورغبة في التغيير.


الشعب التونسي اليوم ينوب عن باقي شعوب المنطقة المغلوبة والتي ترزح تحت الظلم والطغيان والفساد منذ عشرات السنين، في التصدي لهيمنة وسيطرة وطغيان زين العابدين وأقرانه، وتحسس طريق الحرية والخلاص، وأثبت الشعب التونسي بجماهيره وعامته من البسطاء العفويين أن كلمة الشعوب أقوى من بطش وقمع الطغاة، وأن إرادتها حاسمة، وأنها قادرة على كسر الأغلال وفرض التغيير، وأعطت المثال والقدوة لغيرها، وأرغمت الطغاة في منطقتنا علي أن يراجعوا أنفسهم سريعاً قبل أن تدور عليهم دائرة الشعوب إذا ما غضبت واستيقظت، وما جري في الأردن والجزائر خير دليل علي ما نقول.


الشعب التونسي بغضبته اليوم يعيد ترتيب المشهد السياسي في المنطقة بأسرها، ويحطم القاعدة الاستبدادية المعمل بها في كثير من دول المنطقة وهي: مقايضة السياسة بالاقتصاد، أو الخبز لقاء الحرية، أو لقمة العيش لقاء الاستقرار والنظام والانضباط، هي الأصلح للشعوب المستعبدة، وهذه المعادلة الذهبية، المتبعة في أكثر البلاد العربية، وهي تعني الجمع بين إغلاق باب السياسة أو إزالتها من الحياة العامة وتحريم العمل فيها، في أي صورة كان، سواء كان عملا سياسيا مباشرا أو نشاطات مدنية، وتحليل الاقتصاد في أي شكل كان، سواء أجاء على صورة استثمارات أجنبية أو تجميعاً للثروة بالطرق الشرعية وغير الشرعية، أو بعبارة أخرى إطلاق يد المفسدين.


الشعب التونسي بغضبته اليوم قد أرغم الطغاة للاستماع إلي شعوبهم، والتعاطي مع رغباتهم وتلبية حاجاتهم، وأيضاً قد رد الاعتبار للشعوب المهملة والمهمشة منذ عهود الاستعمار الأولي، وأثبت أن تجاهل قوة الجماهير ونبض وعيها خطأ استراتيجي قاتل، فما يفعله التوانسة الآن أعاد للجماهير قيمتها في موازين القوي المؤثرة في اتخاذ القرارات، وأصبح نبض الشارع لا يمكن تجاوزه أو تجاهله، اليوم أدخل الشعب التونسي الرقم الجماهيري في حساب أي أنظمة وحكومات، بعدما كانت تتخذ القرارات المصيرية والخطيرة وبعيدة المدى، دون الرجوع إليهم والتعرف علي رأيهم، في ظل مجالس نيابية وهمية جاءت بها انتخابات مزيفة وإرادة مستوردة ولا تعبر مطلقاً عن أي رغبات للشعب.


الشعب التونسي كشف عن مدي النفاق الأوروبي والأمريكي إزاء التعامل مع قضايا العالم العربي والإسلامي، وفضح الانحياز الغربي الكامل لطغاة الشرق الأوسط، وهتك أكاذيب الدفاع عن الحريات ونشر الديمقراطية التي ملئ أعداء أمتنا به فضاءنا الإعلامي، ففي الوقت الذي ينتفض الجميع فيه غضباً لضحايا كنيستي سيدة النجاة في العراق والقديسين في مصر، وتصل التهديدات الغربية لمستوى التدخل العسكري من أجل حماية الأقباط، هذا الغرب نفسه يطبق فمه ويلجم لسانه تجاه ضحايا مجازر بن علي وعسسه، ويدين ويشجب علي استحياء، وغاية تعامله مع هذا الشطط الجنوني لعسكر بن علي والقوة لمفرطة في التعامل مع الجماهير الغاضبة، أن تحذر رعاياه من السفر إلي تونس، وهذا هو أقصي إدانة من الغرب المسرور بما يفعله ربيب فرنسا المدلل في شعبه وبني وطنه.


وحقيقة مهما كتبت في حق الشعب التونسي محاولاً الاعتذار إليه عما كنت أنا وغيري أظن فيه فلن يوفيه أبدا حقه، فهذا الشعب الذي ربما يكون علي يديه قد أطلقت شرارة التغيير في المنطقة بأسرها، وفتح باب ظل مغلقاً لسنوات طويلة، ألا وهو باب الحرية .. فتحية إجلال وعرفان لهذا الشعب العظيم.


الجمعة 14 يناير 2011 م

بقلم: شريف عبد العزيز
shabdaziz@hotmail.com

عودة إلى التربية القرآنية.. يسألونك عن الطغيان

عودة إلى التربية القرآنية.. يسألونك عن الطغيان

د. محمد العبدة 11/2/1432 هـ




الشرطة التونسية تعتدي على أحد المحتجين

لماذا هذا الحديث المتكرر في كثير من سور القرآن الكريم عن موسى عليه السلام وفرعون؟ إنها أكثر قصة معروضة في القرآن ( بعد قصة بدء الخلق ) ، وفي كل سورة يعرض جانبا من جوانب هذه المواجهة بين موسى عليه السلام وفرعون، أليس هذا دليلاً على أن من الأهداف الرئيسية للقرآن الكريم محاربة الطغيان كظاهرة بشرية ، وتوضيحا نفسية وعقلية الطغاة وكيف يتصرفون وكيف يفكرون ، هذا الطغيان الذي يفسد المجتمعات والأفراد ، بل يدمر نفسية الإنسان ويحطم شخصيته وكرامته.
إن الإسلام - وهو خاتمة الرسالات إلى الأرض - جاء ليحرر الإنسان من الشرك ، ومن اتخاذ الأرباب من دون الله ، وقصة الأنبياء مع البشرية ما هي إلا لحل مشكلة الإنسان الذي يقع في المعضلات و النكد والخسران حين لا يتوجه بالعبودية إلى خالقه، وحين يتكبر عن الخضوع لرسالة السماء ، وإنها قصة الصوت الصارخ في وجه الظلم ، و إنقاذ المجتمع مما يعاني من أزمات اجتماعية وسياسية .
الإنسان مخلوق مكرم ، ولكنه إذ لم يهتد بالوحي ، و إذ يظن انه استغنى ، فإنه يطغى ، والطغيان هو مجاوزة الحد , وعندما يظن هذا الإنسان بسبب أهوائه ووسوسة الشيطان انه يستطيع كل شيء ، وانه مستغن بذاته وبقوته وذكائه وزبانيته ، فإنه يتجاوز حدوده ، ويستعبد الناس ويقهرهم .
حارب الإسلام كل أنواع الطغيان ، طغيان الفرد , وطغيان المجتمع "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" , وطغيان المال والميزان " ألا تطغوا في الميزان ، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان " , واعتبر إفساد عقيدة الناس من الطغيان "قال قرينه ربنا ما أطغيته ، ولكن كان في ضلال بعيد " , "أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون " ووصف العقائد الضالة والمذاهب المنحرفة بالطاغوت "فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى " .
إن قمة الطغيان والمثل الأعلى له هو فرعون ، والقرآن الكريم على طريقته في تناول بعض الأحداث والقصص لا يذكر الأسماء ، لأن فرعون نموذج لكل متكبر عال في الأرض من المسرفين ، إنه يمثل الطغيان السياسي حين استكبر و ظن أنه يملك مصر وأنهارها وسكانها "أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي " , واستعبد وسخر بني إسرائيل لأهوائه ومطامعه ، "وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل " .
والطاغية يوهم الناس انه من طينة غير طينتهم ، وكأن فيه جزء من الإلهية ولذلك يجب أن يخضعوا له " فقال أنا ربكم الأعلى " , ولا يخفى على فرعون أنه ليس الإله الذي يخلق ويرزق ويحي ويميت ، ولكنه يرى نفسه أنه هو السيد الأعلى الذي يجب أن يسخر له كل شيء ، قال تعالى : "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم "..
انه التكبر واستعباد الناس حين يظن الطاغية انه هو الأقدر على فهم الأمور وهو الأذكى ، وهو الأعلم "ما أريكم إلا ما أرى " , فليس للناس رأي ولا للمصلحين .
وفرعون يتعجب من دعوة موسى له ومجابهته إياه : "قال لمن حوله ألا تستمعون " أي كيف يتجرأ موسى على مخاطبتي .
و عقيدة قوم فرعون أنه ربهم و معبودهم ولا يستبعد هذا عن الشعب الذي يغلب عليه الإيمان بالأشياء المادية المحسوسة ولا يؤمن بالغيب، ولكن فرعون يعلم قدر نفسه ، ولذلك يحرضهم على عدم الاستماع لموسى ويؤلبهم عليه ، ويقول لهم إن موسى وأخاه يريدان إفساد نظامكم ودولتكم "إني أخاف أن يبدل دينكم " وكأننا نرى هنا أن الطاغية مهزوم في داخله ، ونفسه خواء وهو يعوض عن هذا النقص بقهر الناس وتقريب زمرة صغيره ليكونوا شركاء له في جرائمه ويدربهم على القسوة البالغة نحو المجتمع ، إنه يريد الاستقرار والاستمرار في الظلم ، والحاشية تريد الاستفادة من تراكم الأموال ، وفي العادة فإن الطاغية يُرضي هؤلاء بترك الحرية لهم في أكل أموال الناس .
هل يكفي أن نأخذ العبرة ، ونتحدث عن مساوئ الطغيان وكيف أنقذ الله موسى عليه السلام وقومه من فرعون وعمله ، أم أنه زيادة على ذلك، يريد الله سبحانه وتعالى منا أن ندرس هذه الظاهرة ، وكيف نتجنبها ، وكيف نقاومها ، لأنها موجودة في كل زمان ومكان ، والطغيان أمر كريه ، يفسد كل شيء وهو أمر لا ينبغي أن يكون ولا أن يبقى .
القرآن الكريم أدان هذه الظاهرة ، وهذا معناه إدانة أي حاكم يتصف بالصفات المذكورة عن فرعون أو ببعضها، وظاهرة الطغيان السياسي تتفاقم عندما تتنازل الشعوب عن حقها في العزة والكرامة ، وهي تفعل هذا مخدوعة من جهة وخائفة من جهة أخرى ، ولكن هذه الشعوب لا تعلم أن هذا الخوف هو وهم ، فلا يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة .
أراد الإسلام اقتلاع جذور الطغيان ، ليس في نفس الحاكم وحسب ، بل في المحكوم أيضا ، حين يقبل به وحين يعتبره وكأنه شيء طبيعي ويجب الخضوع له .
وحتى لا يمارس الفرد الطغيان أيضا في أسرته وعمله ، أراد الإسلام اقتلاع الطغيان لأن الطغاة يفقرون شعوبهم ويشغلونهم برزقهم اليومي حتى لا يفكروا بالتغير ، والفقر يجلب معه رذائل شتى ، من سقوط الهمم والجهل والمرض .

والطاغية لا يقف عند حد ، فإذا أنت أسلمت أمرك للطاغية لم يرض منك بالطاعة ، بل يصر على أن تكون طاعة وإذلالاً ، والطاغية يكره العظماء من القادة والساسة والعلماء والأدباء ، وإذا قبلهم فإنه يريد أن يكونوا أذناباً له
والطاغية يخدع الناس بالوعود الكاذبة ، ثم يبدأ بتكوين حرس خاص به ، بحجة المحافظة على مطالب الشعب ، ثم يبدأ بمحاكمة من يعارضه ، ويخترع لهم تهم باطلة ، ثم ينقلب حكمه في النهاية إلى كارثة.
عاقب الله سبحان وتعالى هؤلاء الطغاة الظالمين الذين لا يتحرك لهم ضمير ولا يتعظون بمصير من قبلهم ، عاقبهم بصرفهم عن الهداية "سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا "
ومن عقوبة الله للطغاة أنهم يعيشون في خوف دائم – وإن كان الظاهر غير ذلك – وذلك لكثرة المؤامرات والدسائس وكثرة الوشاة ، ولذلك فهم يرتابون في كل أحد .
والخلاصة أن الطغيان ظاهرة مَرَضِية ركز عليها القرآن ، وفصل فيها حتى يتجنبها المسلمون، ويقاومها أهل
العلم والفضل


هنا الرابط .


وصية مُوَدِّع: إيَّاكم..!..الشيخ محمد حسين يعقوب


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله  وصحبه أجمعين.
أما بعد،
إخوتي في الله،،،

أولا أنا أحبكم في الله، وأسأل الله أن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والعمل. ولأنني الآن على سفر، ولعل الوجوه لا تلتقي (أسأل الله لي ولكم حسن الخاتمة)، فهذه وصية مُوَدِّع:





المتابعون

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Free Web Hosting